في أدب الحوار ومميزات تداول الأفكار في العالم الافتراضي

في أدب الحوار ومميزات تداول الأفكار في العالم الافتراضي

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

في محاولة لجرد آداب الحوار الجديدة ومميزات تداول الأفكار والأراء التي أصبحت تسود وتميز ساكنة عالمنا الافتراضي تبين لي أن أعداداً متكاثرة اختصت في مراقبة الآخرين ومحاسبة أنفاسهم والضغط عليهم والتضييق على حرياتهم بشتى الوسائل  وتدفعنا كلنا للاستسلام لثقافةٍ يجوز فيها الحكم دون قرائن ولا شهود، وأن نقبل كما يفعلون أن نعتمد الضعيف قبل الصحيح، أن نُجرِّم كل من اختلف معنا أو خالفنا رأياً، أن لا نفرق بين النقد الجائز بل الضروري والقدف والقَدْح والسب والتجريح والتشهير، وأن نعتبر النقاشَ كلاماً نقوله لا يحق لأحد أن يكون له غيره، أن نرجع ونجتر ونقدس ما اختزنه غيرنا وأن نفترس من تجرَّء وفضَّل الإنصات لكل الأصوات وإعمال عقله فيها كلها دون استثناء قبل أن يبني موقفاً وأن لا نتحرج من أكبر كبائرنا وأن نستعمل مصطلحات ونعتز بمرجعيات ونُحيل إلى نظريات ونركب مذاهب لا معرفة لنا بها ولا بتفاصيلها ولا بحيثياتها ولا بتفريعاتها ولا بالمترتبات عنها وأن نرفض احتمالَ أن لا يكون غيرنا على خطئٍ واحتمالَ أن نخطئ نحن وأن نَكرَه التغيير وكل ما قد يؤدي له … وأن نقتلع ما قيل ونعزل ما يقال من سياقه لجعله حجة لنا وعلى الآخرين في غير محله ولا منطقه وأن نعتبر نفسنا ضحايا العالم كله وأن نشك في نوايا البشرية كلها … وأن نجد في عنف اللغة ومناورات الخطاب بالتهديد الضمني والوعيد المضمر طريقاً للأقصاء الفعلي والإسكات وهدر الكرامة وتلطيخ السمعة … وأن نصطف معهم ونتخندق في خنادقهم ونَكره من وما يَكرهون ونحقد على من يحقدون ونتجاهل من وما يتجاهلون وأن نُكرِه غيرنا على ما نحب ويكرهون  وأن يفرضوا علينا قيمهم ومناهجهم واختياراتهم ومواقفهم …

لكننا لن نفعل … لنا عقول نميز ونتعلم بها ولن تنازل عنها … لنا تاريخ وذاكرة وحضارة وثقافة وقيم وأحلام متعددة الروافد والجدور والغصون والألوان والإيقاعات ولن نجعل من أيهم صنماً جامداً نعبده ولن ننزه أيهم عن النقد ولن نفرضهم على أحد ولن نتخلى على ما أجمل ما فيهم ولن نترك النور فيهم ينطفئ … سنصغي لغيرنا وإن اختلف وسنحلل أفكاره وندافع عن حقها في الوجود ونحدد مواقفنا منها ونعبر عنها بحرية ونزاهة وشجاعة وإن كره الكارهون …

تلك آدابهم وهذه آدابنا …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى