هل يُفلح قومٌ ينسى أو يُقلع من أضاع قدرته على التذكر ؟

هل يُفلح قومٌ  ينسى أو يُقلع من أضاع قدرته على التذكر  ؟

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

طبعاً إننا ننسى، لكن هل يبقى معنا شيء مما ننسى، وهل يبقى معه تأثير على تصوراتنا وآرائنا وسلوكنا ومشاعرنا وانتظاراتنا وردود فعلنا ؟ هل طفل ضاع منه أرنب أو كلب أو قطار خشبي كان يحبه ويهتم به سيتأثر لذلك حسب أسباب ضياعه وتجربته المباشرة لحادثة الضياع، يكبر السؤال إن كان الحديث حول ضياع أخ أو أب أو أم أو ولد أو وطن أو أمل أو ثقة أو هدف أو مال أو حب أو ذاكرة …. أو هؤلاء كلهم في نفس لمحة عين … وهل يُنسى أن المسئوليةَ إن لم تُربَط بالمحاسبة أمْست استبداداً أو هل يُشخّٓصُ الداء ويوصف له الدواء ويُنسى الإشراف على تناوله … وهل يَنسى جسدٌ حاجتَه إلى الماء وأن لا تموت أرضٌ إن عطشت  …

صديقي اللبناني وهو خارج من العمارة التي تسكن عائلته شققها يصعد سيارته وقبل أن يدير مفتاحها سمع دوي انفجارات متتابعة ورآى في المرآة العاكسة نيراناً وانهياراً ودخاناً وغباراً وشظايا وأشلاء … قال صديقي لم ألتفتْ ولم أجْرِ نحو مكان الفاجعة … اتجهت مباشرة إلى المطار واشتريت بطاقةً لأول اتجاه متاح كان مدينة لندن ومنذئذ أسكن هذه المدينة ولم أرجع بعد ذلك لبيروت ولن أعود لها أبداً … تؤلمني أصوات المؤذنين وأجراس الكنائس نسيت لماذا كنت أحبها ونسيت لماذا أصبحتْ تؤذيني … نسيت من كانوا أهلي ولم أعد أذكر منهم إلا حرقةَ فراقهم وخيالاً من ابتساماتهم وتقاسيم وجوههم لما فاجأتهم المصيبة وتجمدوا على صورة الألم وعدم تصديق حقيقة ما حل بهم مع أنه كان دائماً محتملا لديهم … نسيت أنه كان لي وطن وأنني لن أسمي لبنان وطني بعد ذلك اليوم … فالأوطان لا تفعل مثل ذلك بأهلها … لو كان لبنان وطني لا يريدني أن أنساه  لما فعل ذلك في …

صديقي الذي يتلعثم ويمشي وكتفيه منطويتين وكأنه يراوغ صفعة اعترف لي أنه لا يذكر لكن أبويه أخبراه أنه وعمره أقل من سنتين أو يكاد وهو يداعب حصاناً هجم عليه من وراء ظهره ذكر إوز كبير وحبط عليه وصار ينقب ببن كتفيه بمنقاره الصلب والقوي وهو ينفض جناحيه مفتخراً لإناثه وصغاره بانتصاره على هذا الدخيل … استيقظ يوماً بعد عمر المراهقة ببعض السنين وهو يسير في الشارع بين أصدقائه فسمع صوتاً وتخيل له طائر كبير يهوى عليه ولم يستطع الصياح ومنذ ذلك اليوم وهو يتلعثم ولا يستطيع مقاومة خوف انقضاض شيء مجهول عليه … لم يسترجع استقامة جسده ولا تبات خطواته … لم ينفع معه الطب ولا التحليل النفسي … وهو لا يخاف الإوز ولا الطيور ولا حتى الكواسر منها … لكنه أصبح يخاف الكلام والنطق ومواجهة الناس بهما … جرَّب كتابة ما فقد القدرة على التفوه به ولم تتردد أصابعه فوق صفحة بيضاء ولا أمام ماسك إلكتروني إلا أن شفتيه ولسانه لا يقبلان قراءة ما يكتبه بطلاقته قبل انحباسه … بنصيحةٍ من خبيرٍ تعلم لغة الإشارات وتفوق فيها بل مارس بها الترجمة الفورية من وإلى لغتين أجنبيتين عليه … حلل وضعيته وتوصل لنتيجة أن ما كان الكل يعتبر أنه نسيه بقي يعمل داخله إلى أن تمكن من آليات توطيد الصبي لموقعه من بيئته المتعارف عليها والتي هي سلطة الكلام والتنقل والتجرد من الخوف فشلَّها … كان على والديه أن لا يوهمانه بأن ما حدث له غير خطير وأنه لا يجوز لرجل مثله أن يخيفه بط وأنه سيكبر وينسى …

صديقي الذي سبق أن اعتُقل وهو في بداية شبابه وهو طالب وحوكم بعد شهور من الاختفاء القسري وما تخللهم مما يمكن تصوره ولم يسرح إلا بعد قضاء مدته كاملة قال لي إن عدم الانغماس المزمن ليل نهار في الذكريات لا يعني النسيان وهذا غير وارد لكن خاصية الوضعية ليست ارتفاع احتمال تردد التذكر أو انخفاضها أي أن القضية ليست مرتبطة بالماضي وإزعاجه فقط لكنها متعلقة أكثر إيلاماً بارتفاع احتمال العود في المستقبل ليس بالضرورة للفرد الذي عانى تجربة الاختطاف والاعتقال والتعذيب والسجن وحده لكن بالنسبة لآخر قد يكون ابنه أو ابنته أو أخ أو أخت أو أصدقاء وجيران وزملاء له قد يضطره واقعه للتفكير في حق أساسي كالماء الشروب أو المدرسة لأبنائه والمستشفى له ولوالديه الفقيربن والمريضين في قرن جبل لا طريق تؤدي إليه أو مصحة للولادة لزوجته أو فقط للأمن في الشارع العام وفرصة عمل لابنه الذي تخرج من جامعة بمستوىً أعلى من من تربعوا على أرائك الإدارات الكبرى ولم يصب حقه من الشغل بعد سنين من الانتظار السلمي أو بمساءلة طاغية وظالم … قد ينسى الفرد الماضي وما ضره فيه لكن أن ينسى هول ما قد يأتي فهو أقل احتمالا وأشد نكداً وفتكاً بالطمأنينة والشعور بالأمن والأمان  …

إن كان المرء يرتد عن عقيدة أو ودين يجد فيهما سعادته وراحته وأجوبةً عن الأسئلة التي تحيره أو عن ماءًِ زلالٍ يروي به غلة في صدره فإنه ينسى حياةً وتجربة غلب عليهما الشك والظلم  والحرمان والوجع والأسى والعذاب … إذ لا تكون الردة من جميل يشرح الصدر ويملؤه بهجةً وغبطة وسروراً  … ولما يكون النسيانُ رِدَّةً فمحاولةً غالباً ما تكون فاشلةً لتجاوزٍ غير عقلي وتصريفٍ لا منطقي لواقع تعقدت فيه الأمور وتداخلت فيه العوامل بنتائجها والأعراض بأسباب ومترتباتها لدرجةٍ تعذر معها تمييز الرموز عن بعضها والقيم وما تحيل إليه ومفردات اللغة والمفاهيم التي تتأصل فيها والتعابير وما توحي به فصار التخلي عنها أفضل بكثير من الرجوع إليها وبناء الارتقاب والاستباق بها وعليها إذ لما كان التذكر يكون بالرموز والمعاني ومنها كذلك اللغة ومفرداتها وتعابيرها وما تحيل إليه وتثيره وحيث ما صارت عليه حالتها من اختلاط الرموز والمثيرات واستعارة معاني بعضها من البعض الآخر والذي أدى إلى تحاتها وتلاشى مقوماتها ومميزاتها فإنها أصبحت فاقدة اللون والمذاق والقدرة على دعم الذاكرة وتوفير المناعة من النسيان … تعذر الاعتماد إذن على اللغة وخام رموزها وحمولتها القيمية  في تسجيل الأحداث والتجارب والشعور وفي سحبها من بين الأُخر لاستطلاع ما قد يأتي ومواجهته فضاعت الذاكرة بضياع قدرة الإحالة إليها بما يميز الذكريات … الحقيقة أن المتعاملين في الواقع باللغة وبرموزها، وليست هي، هم المسئولون الذين يحق فيهم قول  “كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون … ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذي لا يعقلون … ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون” …

أغلقت الزنزانة وعم الظلام ونسيت العين كيف يكون النور … وبعد عشرات السنين لما سُمح لضوء الشمس أن يطل من كوة صغيرة لم تتذكره العين وظنته عدوٌّ آخر يعتدي عليها يريد فقأها فأغمضت وردَّتْه عنها واستسلمت للظلام الذي ألفته واعتبرته الأصل والملاذ …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى