من المدينة إلى ساكنتها …

من المدينة إلى ساكنتها …

عبد اللطيف زكي

الرباط- MWN عربية

عن أي المدن يتحدثون، أي المدن وسعت شوارعها وزينت وهيئت بكل ما هو جميل وعصري وضروري لحياة كريمة ويسرت فيها جميع أسباب الراحة … زرت وتجولت في طنجة وتطوان وفاس ومراكش والدارالبيضاء وسطات وسلا وأگادير والرباط وتزنيت وورززات وشفشاون وأخرى كثيرة ورأيت ما يرى من فتح عينيه وأرسل سمعه … أحياء راقية ، منظمة كأنها اجتمع على رسمها خيرة فناني الوطن ومهندسيه، بنايات فاخرة تغار منها أخواتها في أرقى عواصم العالم، مطاعم، مقاهي، ملاهي ليلية، مآرب تحت أرضية للسيارات، ممرات للراجلين، مسابح مغطاة دافئة، مراكز تجارية مكتظة بكل سلع العالم المختارة، مكتبات ووراقات، شوارع شاسعة ونظيفة تحفها الأنوار لا تخلوا منها دوريات الأمن، فضاءات للرياضة في الهواء الطلق وفي القاعات المجهزة باحدث ما هنالك، مسارح في بعض الأحيان وأروقة لعروض الفنون التشكيلية … رأيت كل هذا وأجمل منه وفرحت أنه في بلادي تحقق العجب …

أحياء كأنها تنبت بلا رقيب ولا حسيب ولا وازع ضمير ولا تصور مسبق، تتكاثر وتتناثر فيها البنايات ذات الأوصاف المخيفة والآيلة للانهيار قبل الانتهاء من ترصيصها تتخللها مجاري المياه العادمة السطحية تتساءل كيف ارتفعوا بها إلى الطبق الثالث والرابع وسواريها مكشوفة للعيان ضئيلة أضلاعها الحديدية ومتفتتة الإسمنت والرمل الملحي الذي لا يكاد يغشى جدرانها، أزقتها أضيق من أن تمر منها تلك الأم التي تجر ابنتها الصغيرة بجانبها وأن لا يمس إحداهما جزء متحرك من الدراجات النارية التي تخترقها، كوات فتحت في جدران البنايات تحميها إطارات حديدية داخلها وجوه شاحبة أغلبها لم يهتم أصحابها بحلقها يشغلون وقتهم بادعاء ممارسة مهنة تجارة المواد الغدائية ومواد البناء أو إصلاح البراريد أو الأحذية أو كل هذه جميعاً … سألت صاحبي وكيف تفعلون لما يحتاج أحدكم سيارة إسعاف فهمَ قصدي، فهو فائق الذكاء، كما فهم أنني لم أفهم بعدُ شيئاً إننا إن مرضنا نموت وينتهي أمرنا أو نرمى في ركن ونُنسى فيه أو نٓجرُّ أجسادنا خارج الحي ونُنْقل فوق دابة أو عربة بدابة أو ثلاثية العجلات ونُطرح في مستشفى وآنذاك يكون منا من يأخذ الله بيده ومن يحتضر ويلقى حتفه فيبحث عنه أهله بعد وقت ولا يجدونه يقول لهم أحدهم إنه ربما في مشرحة كلية الطب يتعلم فيه الطلاب فلا يقام له مأتم ولا يدفن في قبر يزوره فيه أهله أيام الجمعة وعاشوراء فينسى بعد حين إلى يوم تحتاج أرملته وثيقة تشهد بموته لتتحلل من زيجته أو تفتح ليتاماه دفتر الحالة المدنية ليلتحقوا بالمدرسة … فيبدء صراع لو تصوره الميت لقاوم الموت وما مات … هكذا قال صاحبي … أن تقاوم القدر ولا تموت أهون وأسهل من أن تحل عقدة لك مع الإدارة إن كنت من أصحاب هذه الأحياء … لا تعرف لغتهم ولا هم يفقهون ما تقول، تكتشف أنك كنت دائماً على حق بأن الإدارة لم تكن لك ولتهتم بك وبقضاياك … يتأكد لك ما كنت تعرف بأنها ضدك وليست معك … لا يا صاحبي كلامك فيه حيف كبير، ليس إلى هذا الحد … مشينا قرابة خمس دقائق ولم ينطق أحدنا ببنت شفة إلى أن وقفنا على حائط ورجالٌ يرسمون عليه خانات كبيرة ويضعون أرقاماً داخلها من واحد وانصرفنا وهم يكتبون صفر العشرين … دون أن ينظر لي صاحبي قال لهذا فقط تصلح ولهذا فقط تتذكرنا … أرأيت ذلك الشاب، إنه يخفي سيفاً في غمد علق على ظهره …

أحياء لا أدري هل أتعجب أو لا من هول السيارات حولها وداخل أسوارها منها من في آخر عمرها ومنها الحديثة الفارهة من أغلى ما في السوق، كما أذهلني ما رأيته تناقضا بين السجائر الأجنبية والساعات اليابانية والسويسرية في معصم الشباب والنظارات الداكنة والأحذية والأقمصة رفيعة العلامات يرتدونها وكأن الأمر طبيعي … أروعني أن أكد لي صاحبي ما كنت أشك فيه بأن أغلب الصبيان والشباب ينقطعون عن الدراسة قبل أن يُحصِّلوا علماً أو معرفة أو يتعلموا صنعة ينخرطون بهم في سوق الشغل على حد تعبيره – لا أحب هذا المفهوم ولكنه هيمن على الخطاب ولا مجال لي لمناقشته مع صاحبي – هم لا يشتغلون فكيف لهم بهذه الأشياء الغالية الثمن … آباؤهم وأمهاتهم وأخواتهم يشتغلون ويحلبونهم – هذه مفردة يستعملها صاحبي بارتداد عال هذا يشتري البقرة أو الماعزة وهذا يرعاها وهذا يحلب هذا وهذا يشد البقرة من قرونها ليحلبها هذا وهذا يحلب وذلك يسرق منه الحليب وهكذا دواليك – لكن – حذِفت أسماء ابن وبنتي صاحبي حفاظاً على خصوصياتهم – نجحوا في دراستهم وأتموا مستويات جامعية عليا وهم على أبواب اقتحام تجربة العمل والشغل، فما هو الفرق؟ الفرق أن الله جعل في قدره اللطف وسخر لي ولأمهم نعمة العقل فحافظنا عليهم ولم نفرط فيهم ولو يوماً واحداً وفضلناهم عن أنفسنا وعلمناهم أن القناعة طريق النجاح وأن لا ينظروا أبداً بحقد لمن لديه ما ليس لديهم وأنه لا شيء عند الله بعزيز وأنه باجتهادهم وتركيزهم على دراستهم ستفتح لهم كل الأبواب … وها نحن نجحنا وننتظر الأبواب أن تفتح منذ بضع سنين لكن أملهم في الله كبير وقد أخبرني – اسم الابن – أنه اتصل به بعضهم يقترح عليه الهجرة إلى بلاد يشتغل فيها لا يخاف فيها على دينه بل يحفظه فيه ويقويه ويدافع عنه …

هيا، أدعوك لكأس نقية، لم نجلس لبعضنا منذ أسابيع، لكنني لا أشرب إلا الشاي بالنعناع وفي الأيام الخاصة أتجرء على عصير برتقال، لا بأس، سأدعو لك بالهداية قالها وهو يقهقه كعادته … فريد، فريد، كالعادة وانظر هذا البئيس ماذا يريد … أأنت تعرف أسماء كل من يشتغلون في كل حانات الدار البيضاء، لا تهم الأسماء فهم يجيبون أياً كان الاسم الذي أناديهم به، اعطيهم اسماً جديداً مع كل كأس أطلبه، لكنهم يعرفون أنني كريم معهم … أين سعاد، لم أرها قبل أيام، ألا تدري، إنها في سوريا أو ربما في العراق … كيف، هي كذلك، من الحانة إلى الجهاد، من المزبلة إلى … أخفتتي، هل تفكر أنت كذلك في نفس الشيء، سيتهمونني بدعمكم مادياً، لن أؤدي إلا ثمن المشروب بعد اليوم … يقهقه … أسمعت … أتدري لماذا أفضل الحانة على المنزل، لأنني أختنق في المنزل … كيف تختنق ولك حديقة من آلاف الأمتار ومسبح تغطيه متى شئت وتدفؤه متى شئت وزوجتك محترمة وناجحة في مهنتها وأبناؤك كلهم نجحوا في دراستهم، فما الذي يخنقك … أنت لا تعرف ما معنى الاختناق …إنه كل هؤلاء الذين يدعون التدين فجأة ويلتحون ويتحجبون … ومالك أنت، كيف وهم أينما وليت وجهك، استغفرالله يا هذا، إنه الملل، أقسم أنك صدقت، إنك تعرف أنني أبدل السيارة مرة في السنة ومع ذالك تعجبني أخرى بعد أسبوع أو أسبوعين فأستحيي من تغييرها تواً … أفكر في الهجرة … أترك كل شيء وراء ظهري وأختفي … لم أعد أتيق … ما الذي لا تتيق، هذا، كل شيء، النقاب والحجاب واللحي والمكتب والمعمل، البيت والزوجة والأبناء وأبي وأمي المريضين … وإدارة الضرائب والجمارك والضمان الاجتماعي والعمال … وهذه المشروبات التي لا يتغير مذاقها … والبيت الجبلي والبيت على الشاطئ … والشاي بالنعناع الذي تشربه … سئمت نمط حياتي ورتابتكم كلكم وعدم استقراركم، انظر إليك هذا مهين، شاي بنعناع … أتهاجر معي ونغير كل شيء … أنت لا تحتاج من يهاجر معك خصوصاً إذا كان يكتفي بالشاي والنعناع … أنت تحتاج لطبيب نفسي، هل كلمت – اسم صديقتنا الطبيبة النفسية – إنها جبارة في مهنتها … أعرف لكنني كلما رأيتها وكلمتني تثيرني وأشتهيها … شفتاها …. اسكت، لا تتمم، إنها بمثابة أختنا … أختك أنت أما أنا فلا … صه (منذ نصوص سابقة وأنا أتصيد فرصة استعمال هذه الكلمة فقوتها لا مثيل لها في الحسم ورد البأس وها هو أعطاني الفرصة لما زاغ على المقبول) زِد على هذا – اسم زوجته -.تشك بذلك … إذن فلتهاجر لكن قبل ذلك أرجوك ملِّكني سيارتك هذه وبيتك الجبلي واذهب أنت وهوسك وسأحافظ عليهما وأستفيد منهما كما يستحقان … أفعل بكل فرح وأترك لك كذلك كل نقاب ولحاف وحجاب اشترته – اسم ابنته التي لا تعرف من اللغة العربية إلا كلمات ميرسي، أوكي، أدومان، سي تيڤو … لون ڤيرا صا أپري … لا بد إنك تهذر، – اسم ابنته – تحجبت … أقول لك إنها تنقبت وتستقبل زميلاتها المنقبات في البيت، في الصالونات … أترى الإحراج … لا تمنعني من شيء لكن هل تتصورنا نحتسي ما نحب بينهن… أو نتعرى لنسبح وهن يتابعننا بنظراتهن المتهِمة … إنها تدفعني للهجرة، أمها تقول تلك حريتها وأنا من علمها أن الحرية لا ثمن لها … سأرحل من البيت، لن أهاجر، ستزورني في بيتي الجديد … شرط أن تكون معك فيه – اسم زوجته – سنرى … لقد كنت خاطئاً لابد أن يجعلوا للحرية حدوداً، لا يمكن لابنتي أن تختار هذا، أين أخطأت، ما الذي فعلته وما كان علي أن أفعله والذي لم أفعله وكان علي أن أفعله، منظرها يؤلمني، لا تقبل النقاش، كل شيء يقين عندها، خالفها وأنت عدو لها لدود … أتدري إنها تضغط على أمها أن … كفاني من هذا … كنت أظن أن الفقر والجهل … لكن هل تعرف ما الفقر وما الجهل، أرى أنه عليك أن تهاجر لنفسك وتعيد حسابك معها ومع مفاهيمك التي تعيش بها … فأنت وابنتك فقيران جاهلان

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى