مراقبة حلقة من مهرجان عن بعد

مراقبة حلقة من مهرجان عن بعد

عبد اللطيف  زكي

الرباط MWN عربية

ملتقى طريق واسع مزدوج الاتجاه يتوسطه ممشى زينه النخيل وآخر ضيق بكل المعايير يؤدي مباشرة إلى باب قاعة السنيما التي أقيم فيها حفل اختتام مهرجان سينما النساء بمدينة سلا العريقة. نظام محكم يسهر عليه ضباط الأمن من مختلف الاختصاصات والأزياء منهم من تعرفه بكسوته العسكرية ومنهم من لا تعرفه حتى يتقدم لك وكأنه معرفة قديمة ويطلب منك أن تتفضل بالدخول إن كان ذلك قصدك وكنت تتوفر على بطاقة دعوة أو شارة المنظمين أو أن تتحرك ولا تقف أمام الواقيات الحديدية التي تفصل القاعة عن الشارع ببضع عشرات الأمتار. لا يسعك إلا إن تمتثل ولك إن كنت في مثل حالتي أن تجلس في المقهى على الرصيف على بعد خطوات من الحركة … النادل طيب وبشوش لكن الطاولة والكأس الذي طلبته أقل ترحيباً من شدة ما يذكرونك بالمطعم البلدي في أبيات ابن ابراهيم … يجلس بقربك شباب يتحدثون وكأنك غير موجود أو لعلهم كان يهمهم أن تعلم أن أحدهم وسيط لدى عدة إدارات يسهل على الآخرين قضاء صوالحهم بتدخل منه يحلل ما حرمه القانون ويجيز ما منعته المساطر واللوائح الرسمية في أكبر المستشفيات ولدى أشخاص أعتذر عن ذكر مناصبهم ومسئولياتهم خوفاً على نفسي من انتقام يصيبني من حيث لا أدري … على ما يبدو تخصصت الطاولة بجانبي في تشغيل العاطلين حاملي الشواهد بكل مستوياتها ومن لم يحالفهم حظ الفوز بشهادة ما وفي فتح أبواب الإدارات وتقريب الساكنة المحرومة من علاقة عائلية أو جهوية أو قبلية يدعمون بها ملفاتهم وطلباتهم لكبار المسئولين وآخذي القرار. الصراحة تقال، الوسيط لا يطالب بأتاوة مقدمة لكنه يشترط قسطاً معلوماً متفق عليه قبل الجلوس على الطاولة من الشهريات الأولى بعد نجاح تدخله وتشغيل المرشح أو حل مشكله كما أنه يرفض أن يؤدي المرشحون ومرافقيهم الذين يضمنونهم ثمن مشروبه وهذا حسب قوله عنوان لمصداقية وعوده …

يتقدم شخص لا أستطيع تحديد عمره غير آبه بطاقم الأمن والمنظمين وكأنه من أصحاب العرس، اقترب منه مسئول يسأله عن بطاقة الدعوة فأجابه بصوت سمعه كل المصطفين الذين يراقبون الداخل والخارج من نجوم السينما المغربية “ألا تعرفني، هل أطالَب أنا كذلك بتقديم بطاقة دعوة، إنها في السيارة والسيارة ابتعد بها السائق …”. بكل احترام أجابه المسئول أن ينتظر بجانبه إلى أن يحضر من له صلاحية النظر والقرار في الأمر. ازداد ارتفاع صوت الشخص الذي لا يعتقد أنه من من يطالَبون ببطاقة دعوة “عليك أن تعلم أنني أنا الذي أؤدي شهرية ذلك الذي تريده أن يأذن لي، ها أنا داخل، فحاول منعي وسنرى” لا يهم كيف انتهت القصة ، أو بالأحرى لا تهم تفاصيل انتهائها، حيث أن مهنية المتدخلين الأمنيين والمنظمين هزمت خبث ووقاحة ذالك المتعجرف الذي اضطر للرجوع من حيث أتى صاغراً صامتاً ولم يستعد صوته وصخبه حتى ابتعد بعشرات الأمتار  …

عدة أشخاص من أصحاب الدعوات والشارات اجتازوا الحاجز الأمني لكنهم ولكنهن لم يلتحقوا تواً بالقاعة واختاروا الوقوف داخل الممشى المؤدي لها وكأنهم ينتظرون أحدا … سألتُ وقيل لي إنهم يفضلون أن يُرَون هنالك وأن يتقدموا بالسلام على القادمين وكأنهم من أصحاب العرس وهم ليسوا كذلك  … ولله في خلقه شؤون … يخلق ما يشاء …

عاد النادل واقترح علي بإلحاح أن لا أضع شيئاً فوق الطاولة لأن النشالين أخف وأدهى مما يمكنني تصوره وأنه كل فيالق الأمن المحيطة بالمكان لا تخيفهم لأنهم يعرفون أن لا أحد سيغامر بسلامته ويتبعهم … الناس يخافون على حياتهم وزمن البطولة والشجاعة قد انتهى، إنهم لا يشتغلون وحداناً، شركاؤهم أقرب مما تظن ولا يترددون على التدخل بعنف لحماية بعضهم البعض والتستر على أفعالهم  … توقف شاب ونادى على رجل أمن يستوضحه إن كان ملك البلاد سيحضر … كان الشخص إما في حالة سكر طافح أو أنه تحت تأثير مخدر قوي … أشار له الرجل أن اذهب وإلا رميت بنفسك في التهلكة … مع حالته المتقدمة فهم القصد وولى وجهه ورجليه للاتجاه المعاكس وهو يحاول أن لا يسقط على طوله ويردد بلسان ملتوٍ أنه كان فهم كل هذا لو كان ملك البلاد سيحضر ويزور المكان …

انتهى الحشر مما كان عليه في أقل من ساعة وسكبت القاعة ما كان بها في الشارع (للأمانة لست من اختار مفردة السكب لكنني سمعت أحداً يخبر زميله في الاسلكي وهو يستعمل الكلمة بالدارجة المغربية وأجابه الزميل بل قل إنها تتقيؤهم … ) ابتعدت بسرعة لأن مجرد سمعي لتلك الكلمة يتسبب لي في غثيان مُلح … تتعالى الأصوات من وراء الواقيات الحديدية والخط الأمني بأسماء عرفتُ أن من بينها أسماء ممثلات وممثلين بعضهم يرفع يديه ويحركها في اتجاه الأصوات كحسنة أو فريضة أو سنة مؤكدة يمارسها وعقله في أشياء أخرى … بعضهم يتوقف ويقبل أَن تأخذ له صور مع صاحب أو صاحبة صوت وهو يبتسم لهاتفه/ا  النقال … كهل لا بد أنه يشقى كثيراً لأن يجعل ثيابه وطربوشه والسيگار في يده يخبرونك بأنه فنان من نوع ما لا يكاد يتحرك من مكانه يريد الحديث مع كل الناس يصافح ويعانق ويقبل ويطلق كلمات فيليسيتاسيون، بون فيستيڤال، أتودوسويت، يتعامل وكأنه يعرف كل الناس وأنهم كلهم يعرفونه أو من المفروض عليهم أنويعرفوه …. سألت عنه وقيل لي اسمه تذكرته فقد كان له ماض لا بأس به في الميدان لكن نجمه أفل قبل أن يتوسط السماء ويسطع بقوة … شابة وشاب وسيمين، ربما بطلي مسلسل أو إشهار تلفزي أو فيلم كانا محط اهتمام الكثيرين وكانا يتعاملان بلطف بدا لي وكأنه مصطنع وكأنهما هبطا من السماء تواضعاً لمحبيهم على الأرض – يمشون الخيلاء، يبتسمان، يردون على السلام والتنهئة – ميرسي، ميرسي، سي جانتي … اختفيا عن عيني وبعد حين وقد فارقت موقفي ورافقت صديقي لسيارته ظهرا لي في الشارع الكبير وهما يحاولان شد انتباه سيارة أجرة … توقفت السيارة وتبادلا كلمات مع السائق ثم انطلقت السيارة بدونهم … أعادوا الكرة مرات ولم يفلحوا فكدت أن أقترح على صديقي أن نقدم لهما يد المساعدة فإنهما نجمين كانا قبل قليل محط اهتمام جمع غفير وقد تعلمت منذ الصغر موعظة الرحمة بالعزيز إن ذل … قبل أن أفعل تقدم منا النجم الصاعد بكل احترام وأدب وسأل إن كانت وجهتنا الفندق الذي سيقام فيه حفل العشاء الأخير على شرف النجوم والمدعوين … ضحك صديقي وأجابه “شكراً على توسمك الخير فينا لكننا مسافرين خارج المدينة ولا علاقة لنا بهذا الأمر ” … تطفلت وأشرت لسيارات رأيتها تقل بعض المشاركين أن يركبا إحداها وكأنه يعتذر للمنظمين ويرجو مني أن لا أقلق قال “لا، تلك مخصصة للأجانب وبعض المدعوين … ” … انطلقنا ولم نتحدث عنهما … وقد كنا فعلاً مسافرين …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى