ليست كل الطرق تؤدي لروما

ليست كل الطرق تؤدي لروما

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

الخروج عن الطريق المتوقع ورفضُ الاختيارِ الذي يلغي إثارةَ الاكتشاف والتشوقَّ للمجهولِ ذكاءٌ يُحيي قِيمَ الشجاعة وحبَّ المخاطرة ومواجهةَ آفاقِ فرصِ الإبحار في محيطات لم يتم عقْلُ تياراتها ورياحها وأمواجها إنْ عُرِفت مداخلها لم تُعرف منافذها … الخروجُ عن الطريق المهيئةِ يُجنِّبُ حَيرةَ اختيار طريقٍ بين الطُّرق الكثيرة المتقاطعة الممكنة والذي يؤدي بالضرورة لإخفاء ما تُكنه الأخريات و بالتالي نفي ما تكتنفه وإلحاقه بمجال الصمت والمسكوت عنه وتفرض توجهاً يغلقها ويلغي احتمال التعدد والاختلاف … ليس على أحدٍ أن يتبع طريقاً أتَعَبَتْها أقدامُ غيره وإن كانوا آباؤه وأجداده ومن علَّموه وسيَّجَت حواشيَها نفاياتُه وبقايا مستهلَكاته فلا يستطيع الخروجَ عنها ولا ضبطَ وثيرة مِشيته فوقها ولا التوقف لإعادة بعض الرونق والبريق لملامحها ولا  لإماطة الأذى عنها ولا لأن يُطِلَّ ليرى ما يجري في غيرها أو يَسْترِق السمعَ لما يقال فيها وحولها …

الصمتُ ليس دائماً حكمةٌ، والأصلَحُ ليس ما يَجتمع عليه النَّاسُ دائماً ولذلك ليس هنالك نهايةٌ لنقاشٍ فكري إذ في إغلاقه أو إعلانِ نهايتِه حَيفٌ ما بعدَه أشدَّ ظُلمٍ  حيث العالم يتغير بسرعةٍ فائقة وبالتالي كذلك المعرفة والمواقف منها والقدرة على الفهم  … إذن، كل حديث عن ترجيح المصلحة العامة إما يكون مرحلياً ونسبياً وباحتياطِ كبير وقابلٍ للنقد المستمر وإما آل إلى استبدادٍ فئة أو فئاتٍ لأخرى …

أما مسئولية اقتراح الحلول للمشاكل فيقتضي أولا الاتفاق على توصيفها وعلى تحديد أسبابها وتمييز أسبابها من انعكاساتها والاعتراف بالتغيرات والتحولات المعقدة التي تحدث في إطارها وينتج عنها قيم وعلاقات وتطلعات ووسائل للاستكشاف وللتعبير تفرض تعديلات في المقاربات والتعامل بما فيها توزيع كل ما هو مشاع  وتَقبلُ التفاوضَ والتناظر بين كل الأطراف المعنية واستحضار ابعاد الفكر الحديث والشروط الفلسفية والأخلاقية للحياة وتقبل مركزية الإنسان كفرد وضرورة المجموعة البشرية كشرط لاستمرارية وحدة الإنسانية في اختلافها والتعايش المسالم والسلمي بين فرقها وضرورة التقييم والمراجعة المستدامين  … لا يمكن الاستمرار على نفس الطريق التي استنفذت عطاءها أو سبق وأدت للكوارث ولا الاستمرار في إنكار ما هو موجود يحيى وينمو ويتطور خارجها  … فالطريق المسطرة تمنع رؤية ما بَعُد عن يمينها وعن شمالها وعن ثراء الشعاب والجبال والوديان وعن الحياة في الغابات والكهوف وباطن الأرض …  والأحياء الهامشية والقرى في قمم الجبال وفي أجنحة الهضاب والأسواق التي تنتشر تلقائيا وعفويا أينما اجتمع البشر بعيداً عن الطرق المركزية …  بالخروج عن الطريق المسطرة فقط يعاد الارتباط بالواقع والحقيقة … فيظهر على الشاشة الصبية حفاة يمشون في الثلج لغرفة لا نوافذ ولا سقف يذكر لها قيل لهم إنها المدرسة وزرافات النساء مقوسات ظهورها يحملن الماء والحطب والرضع يقاومن المنحدرات الحادة وأشباح الرجال متكئين على الجدران ينتظروهن ليهيئن لهم طعامهم  ويرعون الخرفان والماعز والبقر والدجاج والأرانب ويحِكْن لهم ثيابهم وأغطيتهم وزرابيهم لما لا يكونوا متربصين لهن لاغتصابهن وهتك عرضهن في الخلاء … بالخروج عن الطريق المسطرة فقط يشاهَد متأبطي الشر وقطاع الطريق والمختطفين والمتشرملين أصحاب السكاكين والسيوف والصواطير والمتحرشين الذين يعترضون الشابات في الأزقة الخلفية …

علق بالفترات الفكرية الإنسانية شوائب أبعدت الناس عن بعضهم البعض كلما حولوها إلى ممارسات ينظمون بها فصول حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وذلك لتشبث كل بفترة معينة يفرضون عليها، من ناحية، التحجر والجمود وأن تأبى كل أنواع التطور والنمو، ومن ناحية أخرى، أن تدخل في صراع لا يهدء إلا بتحطيم كل ما سابقاتها ومنع كل ما قد يأتي بعدها … الاستمرار على نفس الطريق فيه وأدٌ للذكاء والخيال والحكمة ومِنَ الطرق التي أُحْكم مسارها إلى أن خاب مصيرها طريقُ التفكير والقراءةِ التي تحدد للقارئ نهاية المصار مانعةً إياه من بهجة تحديات البحث عن المعنى والفرح بالمشاركة في صياغته والعناية بمسئولية التعبير عنه واحتضان مجهود إسقاط الغمامات على عيون مستقلي الطريق وتحريرهم من سياط الحوذي وسلطة الحادي …

معنى الإختيار يركن في كونه متاحاً وفي وجودِ اقتراحاتٍ لا يُقصى منها لسببٍ أياً كان نوعه ولا يُعاقَبُ على انتقاء إحداها كما أنه يكون في إلغاء أنواع الإجبار كلها وتجريم الغصب … معنى الاختيار في عدم ضرورة تبريره وإخضاعه قسْراً  لشروط مسبقة يُكرَه عليها …

إذا كانت الاستقامة تعني الإِنْصافَ والعَدْلَ والنَّزَاهَة والصدقَ والأمانةَ وتطورَّ الأمور إلى ما هو أحسن والاعتدالَ والاتزان والأخلاق الفاضلة كما تأكد ذلك قواميس اللغة العربية فالصراط المستقيم هو الشرط الذي يتمكن فيه الإنسان أو الجماعة أن يمارسوا حياتهم وتفكيرهم وسلوكهم وخطابهم والتزاماتهم بما هو صادق ومنصف وعادل ومحافظ على الأمانة ويسعى للرفع من جودة الأمور وتحسين حالها باتزان واعتدال … الصراط المستقيم يعني إذن احتمال تغيير الرأي والموقف والتحليل والتأويل كلما اضطر الصدق والنزاهة والأمانة لذلك وأهم الصدق والنزاهة والأمانة ما تعلق بالفكر والعقل والعلم وتحسين الوضعيات والرفع من جودتها … هذا يعني كذلك أن الصراط قد لا يبقى مستقيماً وهو يجري في نفس الاتجاه وأن تغيير الاتجاه أو التراجع أحياناً يصبح مطلوباً  لتصحيح خطئ في خيار سابق أو تحليل غير مكتمل أو تأويل متسرع لقراءة غير متأنية أو غير شاملة أو لمعرفة سابقة تجاوزتها التجربة والعقل أو لتقويم اعتمد مرجعيات ومناهج متلاشية …

الخروج على النص أو منه قد يكون الحل الوحيد لتكوين نظرة شاملة وكاملة له ولظروف نشأته وتطوره وربما كذلك لتطهيره من آثار المتعاملين الأولين معه والذين نفوا كل من وما كان قبلهم والذين لا يتفترون على تضييق الخناق عليه لألا يتجرد منهم ومن قيودهم فيتعرف على نفسه ويعترف بما هو غيره ويقبل بإرجاء الحسم الذي لن يكون أبداً نهائيا ما دامت الحياة مستمرة وخاضعة لنفس القوانين والنواميس ….

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى