عَلَمي، عَلَمي، وطني، وطني، روحي فداك …

عَلَمي، عَلَمي، وطني، وطني، روحي فداك …

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

كلٌّ يحملُ علماً يلوح به في وجه الآخرين يفخر به يصرخ بأعلى صوته إلى أن تبحَّ حنجرته عاشت، تعيش، أنت في عروقي وفي دمي، حياتي لك ومَمَاتِي، لبيك لبيك، أنت وحدك لا غيرك، أمي أنت وأبي وجدي وروحي، أنت قبلي وبعدي، أنت قامتي، أنت هامتي، واثق المشية إليك أنت كفني في نعشي إن أسقطوا قصفة الزيتون من يدي … إليك أسعى وأهرول وبك أطوف …

يعود كل واحدٍ لبيته هذا توقَّفَ في معبدٍ وصلى وقبَّل يدي راهبٍ وهذا في حانةٍ وعاقرها مع رفاق التلبية إلى الثمالة وهذا تأخر مَن في ببيتِه فتْح باب الدار فغضب كعادته وصفع وضرب ضرباً مبرحا فأمدمى واستلقى ونام وهذا عاد لوحدته وكتب شعراً ووضب شعارات للغد وهذا اختلى بوثائق تجارته يتأكد بأن الربح لازال على موعده … وهذين تربعا على أريكتين يقابلان مدفأة خشبية وتحدثا في كوارث العالم السياسية والاقتصادية والمالية والحقوقية إلى الفجر وهم ينقبون من أجمل وأشهى الأطباق ويحتسون أرقى نبيد وهؤلاء لم يجدوا في المطبخ بقايا عشاء يكوون به رأس الثعبان فغفوا جائعين …

تعددت القضايا واللغات والديانات والأعراق والعادات والقناعات والروابط بالأعلامِ واحدة لا تتغير… رمزٌ بألوان وأشكال هندسية وخطوط وصور يجيز اسمه القتل ويبيح الانتحار … دون شروط ودون تعقل تتوقف الحياة، يُحوَّل الجُهدُ كله والأموالُ عن آخرها والخطاب والأولويات من التعليم والصحة والأجور من العاملين عليها ومحاربة الفقر والهشاشة ومحاربة الأمية إلى أجهزة الفتك والقتل والإحراق ويُرفع السلاح لحماية الرمز ولألا يسقط … يهاجر الرجال بلدانهم، يتخلون عن أزواجهم وأبناءهم، يتحملون عذاب الجوع والطقس والمشي وإهانة الكبار وهم يعلمون أن صدورهم ستكون مرمى رصاصِ حاملِ علمٍ بألوان وأشكال مختلفة قد يكون جاراً لا تختلف لغته وديانته وشعائره كثيراً عنهم ولا خلافٌ بينهم شخصيٌٰ ولم يسبق لطرقهم أن تقاطعت وقد يكون أبعدَ من أرضهم بُعدَ السماء على الأرض لا يتقاسمون شيئاً ولا شيء يبرر كُرهَ الواحد للآخر وقد لم تكن له معرفة به قبل أن يقنعوه بأنه يهدد سلامة وكرامة علَمِه بمُجَرَّدِ وجوده وبمجرد وجود بلاده ولغته ودينه وتاريخه وقد تكون معرفته له كلها خطأٌ حيكَ في خطئٍ وسُقيِ بالحقد والكراهية والكذب … توضع الأعلام في أيديهم وتعلق برقابهم ويحملون مسئولية قطع الجسور والحدود واختراق خطوط النار بها …

من يضعون الأعلام في أيد المدافعين عليها ليسوا من يرفعونها في الحرب وليسوا من يُنزع منهم أبناؤهم ليقاتلوا ومن يُقْتَلون ويعودون بالأعطاب والعاهات الجسدية والعقلية الدائمة ومن تنتهي الحرب وهم الفقراء … العلَم رمزٌ الحرية والكرامة والهوية والأنفة لمن يموتُ من أجله وحجةُ من يُرسله عليه ليَقتُل ويُقتَل … ليتمكن في الأرض ومن حياة الآخرين، ليستقر له الحال وتكبر تجارته وتنجح صناعته وتختر ممتلكاته ويسعد أبناؤه ويتوطد لهم الأمر … العلَم رمزُ الاستمرار والدوام لمن يَصْنع الحقوقَ ويُفصِّلها في القوانين والدساتير ويَسْتفرد بها والواجباتِ ويُخضِع لها غيره من الضعفاء ويسترقهم بها ويجندهم ليموتوا من أجله …

حق الدفاع مضمون وحق حماية الممتلكات والأبدان والتعليم والتداوي والسكن الائق والشغل والتعبير مضمون بقوة العلَم وبهائه وحق الملكية الخاصة مضمون ومُصان ومن شك ما عليه إلا الخروج للشارع وفتح عينيه وأذنيه … فتَحَ المجلة وقرأ في المجتمعات التي انخرطت في حروب طويلة أو عنيفة نسبة الطلاق أعلى بين الجنود والضباط العائدين من خطوط النار، نسبة تعاطي المخدرات الصلبة أعلى بين الجنود والضباط العائدين … ، نسبة الإدمان على الكحول أعلى بين …، نسبة الإفلاس أعلى …. نسبة لانتحار …. في أغلب المجتمعات بما فيها الأكثر تقدماً صناعياً واقتصادياً نسبة الإفلات من العقاب في علاقة تلازمية مع المستوى المالي والاقتصادي والاجتماعي للمواطن … نسبة خسارة القضايا أمام المحاكم شديدة الارتباط بقدرة الفرد على الاعتماد على أكبر مكاتب المحامات وأشهر وأغلى المحامين والخبراء وليس ضرورة بطبيعة التهمة وبارتكابه أو عدم ارتكابه ما هو متابع من أجله … الاحتكام للقضاء حق يتساوى فيه كل الناس لكنهم ليسوا متساويين في إمكانية استعماله لصالحهم … نسبة وسرعة الشفاء من الأمراض مرتبطة بقدرة الفرد على زيارة عيادات مختصة واقتناء الدواء واستعماله والتوقف عن العمل أثناء فترة المرض والنقاهة وتناول وجبات غذائية متوازنة …. نسبة النجاح المدرسي والجامعي مرتبطة بقوة بتركيبة العائلة ومداخلها واستقرارها النفسي ومستوى تعليم الأبوين ومقر سكناهم والفرص المتاحة للمتعلمين خارج الفصل من السفر للخارج والمشاركة في الأنشطة الفنية والرياضية والمجال المخصص لهم داخل البيت … نسبة التعرض لآفات السرقة والعنف والاغتصاب تزداد بتردي الحالة الاجتماعية للفرد وبمقر سكناه وتسوّقه وخروجه للعمل وطريقة تنقله … حق المبادرة والاشتغال في المجال التجاري والاقتصادي والصناعي مضمون قانوناً ونجاح المقاولة مرتبط بالقدرة على التخطيط والثقة في الغد بيد أن خطر ضياع ما بين اليد اليوم وذوبانه وتبخره دون سابق إنذار أو إشعار أو سبب متوقع مرتبط بنسبة مرتفعة بالتدخلات الغير طبيعية في السوق وفي السياسة وفي الإدارة والقضاء وفي فرص العمل مما يجعل المقاول يعيش في مجال كأن قوانينه صورية فقط لا تسمح بالتوقع والتحكم النسبي في ظروف وعوامل المبادرات وفي تدبير القرارات وما ينتج عنها … حقوق الإنسان مضمونة وسرعة تردي الوضعية ارتبطت بتراجع المواقف إلى رداءة فكر ما قبل العصور الحجرية وبالعودة إلى تكميم الأفواه وفتح الزنازن لمن كثر كلامه ولم يكثرت بتمييز ما يقال مما يفعل  …

علَمي، علمي، وطني، وطني، روحي فداك … كل يغني على علمه ووطنه، والأعلام والأوطان ليست نفسها لكلهم  …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى