تصفية الاستعمار لم تنته بعد

تصفية الاستعمار لم تنته بعد

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

 تصفية الاستعمار لم تنته بعد … مقولة قد لا يختلف عليها الكثيربن عندنا وقد لا يتفق عليها الكثيرين عندهم … الملاحظة الأولى والتي ربما كانت أصل كل المصائب هي تحديد من نحن ومن هم إذ أن في تصور تلك الهويات يسكن الجهل والتناقضات التي تتكون منها الصراعات وتشرعن بها المواجهات. فهل نحن نعرف فعلا من نكون ومن يكون الآخر وهل الآخر يعرف فعلا من هو ومن نكون نحن. بداية الصعوبة تكمن في اختزال نحن وهم في مكونات بسيطة ونزع التعددية والاختلاف واحتمال التغير والتطور الداخلي منها واعتبارها خلية ثابتة متناغمة متكاملة متناسقة متماسكة مكتفية بنفسها ذات أصول مشتركة وأهداف موحدة في حين أنه لا نحن ولا وهم كذلك فكل منا متعدد منشطر متناقض متنافر متضارب داخل نفسه وتجاه الخارج وغيره وليس بعريف لا لنفسه ولا بغيره.

فمرض العصر هو السرعة في كل شيء وتبسيط كل مُعقَّد ورفع مسئولية التفكير على الكل وتخصيصها لفئات تنظر في أمر يُحدد لها فيُجاز لها إنتاج المواقف من خلاصات لا تضطر لتفسيرها للآخرين الذين يكونون مطالبين فقط بالموافقة عليها وبتحمل عواقبها. فالجراح لا يضطر لتفسير سبب قراره للمريض الذي سيستعمل أشعة الليزر في شبكية عينه ولا صاحب البنك لزبائنه لماذا يرفع الفوائد في حالة اقتراضهم المال ويخفضها في حالة ائتمانهم البنك عليه. كما لا يضطر صاحب القناة الإخبارية أن يفسر للزبائنه أسباب اختياره لبعض الأنباء دون غيرها ولصور بذاتها دون غيرها ولا المسئولون على جامعة أو منظومة تربوية أن يفسروا سبب اختيار كتب غير أخرى ونصوص دون أخرى ومناهج دون أخرى. في كل هذه الحالات يُتٓضرع بالاختصاص وبتعقيد الأمور وبشرط الثقة في التعاقد بين الأطراف المعنية. من انعكاسات هذا المرض أن تُفَصَّل العقول والآراء وتُصنع المواقف ويوصف السلوك ويُجبر الأفراد ويفرض على الجماعات حسب مصالح وأهواء تُحْجَب عليهم أسبابها ويمنع عليهم التفكير فيها ويظهر السؤال فيها لأنها تخص أصحاب الاختصاص ولأن في تجاوز الاختصاص مجازفة باستقرار التوازنات وشروط التعايش السلمي بين الناس.

حاولت مرة أن أفهم تصور البعض لأمور بدا لي أنها محورية في تكوين معتقداتهم الفكرية والإيديولوجية والسياسية وفي تبريرهم لسلوكياتهم في هذه الميادين وفي حياتهم اليومية. سألت عن آخر المناطق التي لازال لم يصفى فيها الاستعمار ولم يشر ولو واحد لأراضي فلسطين ولم يعتبر ولو واحد أن إسرائيل من مخلفات الاستعمار وأن حلها يجب أن يكون في إطار تصفية الاستعمار. في رأي وقناعة جل من سألتهم إن الأمر صراع ديني قديم بين الديانات السماوية اليهودية والمسيحية من جهة والإسلامية من جهة أخرى وبأن تاريخ العلاقات بين هذه الديانات كان عبر التاريخ حول أي دين سيهيمن وستكون له الكلمة الأخيرة. ولم يستسغ الكثيرين محاولاتي اقتراح احتمال أن تكون هذه الديانات قد استُعملت عبر التاريخ لتغليف وتبرير صراعات من طبيعة اقتصادية واستعمارية وللهيمنة على العقول والعواطف وفرض سلوكيات معينة على الشعوب منها القتال تحت أكبر شعارات الإديولوجية والذي هو التضحية وبذل الغالي والثمين مقابل الدفاع على مبادء وقناعات مجردة قد لا تكون فيها أية مصلحة ذاتية كأن يقتنع أحد المزارعين الفقراء في بلاد الغال بأن يحارب لتحرير القدس من المسلمين وأن ينخرط في حرب صليبية أو كأن يقتنع آخر بأن في القضاء على الشعوب الأصلية في أميركا تحرير للأرض من الكفر واسترجاعها للطريق المستقيم أو آخر بأن قتاله لشعوب الصين الهندية وفيتنام فيه تحقيق للأهداف النبيلة للدمقراطية ونشر الدين الحق والحد من زحف الخطر الأحمر أو آخر باحتلال العراق لما في ذلك من إنقاذ العالم الحر من خطر الفناء بالسلاح الكيماوي الفتاك على أيد طاغية ظالم يكره العالم الغربي أو أن يقتنع حرب خنازير ودجاج أو سائق شاحنة أو عامل في مصنع الفولاذ في بولونيا أو فرنسا أو ألمانيا بأن أسباب تراجع حالته الاجتماعية وتدهور مستوى عيشه وتهديد منصب عمله راجعة لهجوم الاسلام على حضارته وفتح الباب للمسلمين لاكتساح بلاده ومسخ ثقافتها المسيحية وبالتالي اقتناعه بأن حل مشاكله يكون في منع الإسلام وطرد المسلمين من بلاده وإن كان ذلك بالقوة ضد من لا يشاطره الرأي  …

لم يقتنع من كنت أحاورهم، بغض النظر عن دياناتهم ومذاهبهم، بأن أوربا كانت تستعمر العالم وتستعبد البشر في الوقت نفسه الذي كانت تروج لنفسها مبادء الحرية وحقوق الإنسان كأسس كونية عامة وشاملة يستحقها كل البشر ومن واجبها نشرها بين الناس كلهم، وبأن نفس أوربا هذه وبقيادة أمريكا التي تتدعي بطولة الدمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان هي التي شجعت – وفي رأي البعض صنعت – الاتجاهات الدينية والتي تكفر الدمقراطية ولا تؤمن بحقوق الإنسان لتحارب خصومها الذين ينافسونها في الهيمنة على دوّل الجوار والحدود مع الصين وروسيا وعلى الشرق الأوسط كذلك إذ ما إسرائيل التي خلقت بقرارات وتزكية منهم إلا دولة دينية يدعمونها بلا قيد ولا شرط بينما يعيبون على جيرانها أن يقيموا دولهم على أساس دينهم وشرائعه.

ليس المشكل إذن في الدين نفسه ولذلك لن يكون فيه الحل.  المشكل في أدلجة الدين وجعله أداةً تُستلب بها عقول وعواطف الناس لتبرير اكتساح عقول ووعي الغير وأراضيهم واستعبادهم واستغلالهم حسب مناهج كل عصر وبما يلائم خطابه وثقافته ومجتمعه وجعله المركز الجوهري لتناقض الهويات وأصل أسباب صراعها التي هي أولا وأخيراً البحث على الهيمنة الاقتصادية …

في حديثي هذا ومناقشتي هذه، والتي لا أتجرء بإدخالها في إطار حوار ممنهج بين حضارات أو ديانات، والتي شارك فيها أشخاص من أعمار وأصول وديانات وثقافات وأجناس ومستويات فكرية مفترضة مختلفة، لاحظت مجهودات من كل طرف لاختزال مرجعياته وآراءه في مواقف قليلة وقناعات لا يتهاود فيها ولو لم تكن سلوكاته وحياته اليومية دائماً تؤكد إيمانه وتشبثه بها. فبالنسبة لكثيرين من المسلمين، مثلا، زيادة على النصوص التي يعتبرونها الأولية والتي هي القرآن والحديث والسنة، فهم يحيلون لعدد قليل من الكتب والأشخاص لم أكن دائماً مقتنعاً أنهم اطلعوا عليها بدقة أو درسوها بالعمق والتأني الواجبين وبالمقاربة الضرورية والمعرفة المسبقة اللازمة. فمنهم من احتج، مثلا بابن تيمية أو المودودي، دون أن يتذكر عنوانين من كتاباتهم أو يكون سمع بمحمد عابد الجابري أو محمد الطالبي ولا حتى بالعقاد والأفغاني كما أن البعض اعترض على ذكر اسم طه حسين دون أن يكون قرأ ما عارضه خصومه عليه وهنالك من اختلط عليه نيوتن وانشتاين ومن اعترض على نظريات فرويد وداروين وماركس دون أن يكون قرأ لهم شيئاً أو تكون له القدرة الذهنية لمناقشة اقتراحاتهم النظرية والعلمية وبالتالي أن يكون له رأي معرفي متماسك حول أرائهم. بالنسبة لغير المسلمين فأكثرهم بنى مواقفه وآراءه ليس فقط على شذرات من النصوص الأولية في ترجمات رديئة وتأويلٍ احتيالي لمنتقدي الإسلام والمتهجمين عليه بل كذلك على معرفة جزئية ومؤدلجة للكتب السماوية الأصلية لدينه ولتأويلات متناقضة ومتحولة لها.

يتشبثون، من جهة، بجعل الدين وقراءة نصوصه وبتأويلاتها مركز تعريف هويتهم والمحدد الأساس لعلاقاتهم مع الآخرين ومواقفهم منهم، ومن جهة ثانية، باقتناعهم بعدم قدرة الآخرين على الاعتراف بضلالهم إما لغشاوة مطبقة على قلوبهم أو لمرض في قلوبهم يلغي جدوى محاورتهم ومناقشتهم هذه الأمور … وفي هذا التشبث وهذه القناعات تضيع فرص تحليل الواقع على أساس شروط التناقض الاقتصادي وصراع المصالح المادية المحضة التي توظف الخطاب الديني لتبعد الناس عن التفكير في آليات الهيمنة والتي منها الاستعمار بكل أشكاله من تفتيت الوحدات البشرية والتاريخية إلى كياناتٍ ضئيلة وأصغر من أن يكون له شأن بين الكبار ومحو آثار السابقين الفكري والثقافي والمعماري … من الأمثلة القريبة منا أحداث بورما الأخيرة التي يتشبث الكثيرين بتحويرها لمواجهة دينية بين بوذيين ومسلمين جاعلين من صراع الهويات الدينية سبباً للإبادة العرقية التي تعرفها المنطقة رافضين أي تحليل يضع المواجهة في مسار تاريخي استعماري يحركه صراع لتحقيق أو تأكيد هيمنة استراتيجية بين كبار القوى الاقتصادية والمالية الحالية … يعجزون أن يروا في حرب استعمارية غير ظاهرها الذي أُلبِس ثوب الحقد الديني والعرقي … كما عجزوا أن يروا في إسرائيل بقية من بقايا الاستعمار الذي ركب على مطية روافدها التاريخ والدين والعرق والعواطف …والذي وجب التخلص منه وتصفيته كاستعمار … وكما عجزوا أن يروا الاستعمار الذي استحوذ على إرادتهم وعقولهم وفكرهم إذ عطل قوتهم ونفث فيها ما يشلها وما يعميها عن حقيقة ما هم فيه إلا ما روَّج له ورخص لهم به من خول لهم صناعة الرأي والقرار الذين هيمنوا عليهم وأحكموا سيطرتهم عليهم وهم في غفلة معتقدين أنهم يعلمون ….

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى