قد تغضب الطبيعة لكنها لا تعاقب ولا تنتقم

قد تغضب الطبيعة لكنها لا تعاقب ولا تنتقم

عبد اللطيف زكي 

الرباط – MWN عربية

ضربت الأرض مؤخراً زلازل وزوابع تبعها طوفان وغرق وتخريب وموت رجال ونساء وأطفال. فرح البعض واعتبر هذا عقاباً سماوياً ناسين أو جاهلين أن مثل هذه الظواهر كانت أكثر حدة وأشد قبل ظهور الإنسان على البسيطة وقبل ظهور الديانات، فمن كان يعاقب آنذاك وبأي ذنب كانوا يُآخذون ؟ وهل هنالك من تنتقم منهم الطبيعة في تلك الأجرام البعيدة الخالية والغير المسكونة ؟ من المؤسف أن يضطر المرء لنتيجة أن بيننا من هو لازال في جاهلية يعْمَه لم يمسه من المعرفة شيء ولم يُصب عقله من العلم لا أكثره ولا أقله. بيننا من فشل في تغيير ما بنفسه فتعذر عليه أن يفوز بتغيير تصوره للكون وللإنسانية وللعلاقات التي يُنتج بها الناس معاني حياتهم ويبدعون بها سلوكهم تجاه بعضهم البعض وتجاه الطبيعة التي يعيشون فيها وبهوائها يتنفسون ومن نباتها وأنعامها يقتاتون ومن مائها يرتوون. ربما نحن في عصر تتزامن فيه حقب فكرية وعقلية وثقافية وإيديولوجية متفاوتة بعضها لازال من الممكن وصفها بالجاهلية … حِقبٌ لازال التنافس فيها يعني حق، أو ضرورة، إبعاد البعض من أعلى المراتب بدل ليس فقط جعلها متاحة لكل من يستحقها بل العمل على تمكين الجميع من الارتقاء إليها … وأول هذه المراتب مرتبة العلم الحق والمعرفة الحقة …

جاهلية لم يتحقق لأصحابها عِلْمٌ بالنِّعم التي هم فيها، يتنكرون لها بدل الحديث عنها فلا يعون نعمة العقل عليهم ولا قدرة إعماله في التأمل في الكون وفي أسرار الطبيعة والحياة وفك ألغازها والتفكير في تجارب الناس وما ينتجه فكرهم ونقده وتحليله للفرص وتقييمها وترتيب الأولويات والأخذ بمرجعيات يختارونها يكونون عليها مسئولين ويستهدون بها قبل أن يستسلموا لما هو ليس من صنعهم ولما ضره قد يكون أكثر من نفعه … يتجاهلون مرجعيات احترام توازنات الطبيعة ولما تثور وتغضب يتغاضون على ظلمهم إياها ويردون ردود فعلها لمشيئة غيبية – منهم لإه ومنهم لإلاهة ومنهم قوة شريرة وكلهم جاءته البينة من العلماء ومن الطبيعة نفسها ولم ينتهي …

يَرَوْن الشر في كل من ليس هم ويعجزون على الاعتراف بخيرٍ إذا كان في غيرهم، يرفضون أن يروا العلم فيما تقدم به غيرهم …  من رأى جمالا وتحدث فيه ظنوه مُحابيا أو مجنوناً أو سفيهاً وعمَتٍ بصيرتهم على الجمال الذي بدونه الجمال لا يُرى… ومن ابتعد منهم أو انتقدهم لم يروا فيه إلا شراً وعمَتْ بصيرتهم ولم يستفيدوا مما رَآه فيهم ولا يرونه في أنفسهم … فهل يرى الجمال غير جميل وهل لا يرى الشر إلا شرّير … لا يعتقدون أن هنالك الصالح والطالح في كل الأقوام والشعوب وبين معتنقي كل الديانات سماوية كانت أو غير سماوية ولا بأن الصلاح المجتمعي والإنساني غير مشروط بعصر دون آخر أو شعب ودين دون آخرين … يرفضون الاعتراف بالأخر ويجرمون فكرة احتمال الخير منه وفيه، بغض النظر عن أصله وفصله، دينه ومذهبه ومنهم من كفر من قال بأن هذا الاعتراف هو شرط بداية السلم والأمن الداخليين ونشرهما في العالمين …

لا يعرفون قدرهم فهل يرحمون ؟! لكل عصر آراء وأفكار وعلم وفنون تهيمن فيه يشارك في إنتاجها وتحليلها ونقدها وتطويرها كل من سمعها أو شاهدها فتكون منه وإليه كذلك …  وتطغى على عقولهم آراء ومواقف وقناعات وتهيآت وفرضياتٍ حَوَّلُوها لحجارةٍ أكلها منها الدهر واهترأت وفقدت مكوناتُها تماسكَها ولازالوا بها متشبتين مع أنهم ليسوا من أسبابها ولا من صانعيها …

واقعُ الماضي مَن أنْبتٓ حقيقةَ الحاضرِ وبالحاضرِ يُسْتَنْبَتُ المستقبلُ المُحتمل فكيفَ يُرادُ المستقبلُ الأصيلُ تُختارُ مِنهم بذوره وتُصانُ جدوره وفروعه وَإِنْ حَصَلَ وزاغتْ بعضُ تفاصيلِ أيِّهمْ لوقتٍ أو انحرفتْ لسببٍ وجبَ فرضُ الأملِ بتثمين التجارب السابقة ومراجعة العقل ببعديها الفردي والجماعي حتى يُصحح المسار ويغمر النور الأفق ويتبين الخيط الأبيض من الأسود …

وأما أن يبقى بيننا من يسكن الجاهلية ولا يذكر نعمة العقل على البشرية جمعاء ويكون قرار التصالح مع الطبيعة بيديه فسيكون مسئولا على تزايد غضب الطبيعة وتفاقم آثاره على البرية كلها  …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى