الله يجعل أخرنا أحسن من أولنا …

الله يجعل أخرنا أحسن من أولنا …

الرباط – MWN عربية

عبد اللطيف زكي

“ياك أجرحـِي جريـت وجاريت حتى شي ما عزتو فيك”، … البداية لا تنتهي والنهاية قد تسبق البداية … هذه ليست سفسطة ولا تلاعب بالكلمات والمفاهيم، هذه ملاحظة بسيطة لواقع معيش … وإن كان الشطر الأول من المقولة لا يحتاج لتحليل ولا لأمثلة لوضوحه وكثرتها إذ أن أكثر ما يُشرع فيه لا ينتهي إلى مرفئه إما يرجأُ إلى آجالٍ غير مسماة أو يُحوَّل عن موضعه ولغير أهدافه وإما يلغى تماماً وهذا ما أصبح معروفا ومتوافقاً على حقيقته لدى الجميع فإن الشطر الثاني يبدو غريباً ويحتاج بالتالي قولا فيه. مثالٌ قد يقرب المفهوم للعقول هو الحُكمُ الذي هو نظرياً ومبدئياً نهايةُ مسارٍ قضائيٍّ يكون أحيانا – وغالباً في بعض الأوقات – سابقاً بداية المسار القضائي كأنْ يُهيَّأَ نصُّ حكمِ وقرارِ محكمةٍ قبلَ الفعل الذي سيُتابعُ به أحدهم بل وحتى تعيين من ستطاله المتابعة لإعطاء المثال …  مثال آخر كأن تُصرف أموالٌ قبل أن تُدرج في الميزانية وأن يُؤشَّر عليها بل قبل تجميع الضرائب التي ستتولد عنها فتكون نهايتها ليس فقط قبل ولادتها بل قبل نشأتها في رحِمِ التَّشريعِ لها وقد تكون نهايتها سبباً في بدايتها … مثالٌ آخر سمعت به وإن لم تكن لدي حجة دامغة عليه هو أن يحوز أحد على شهادةً قبل أن يتسجل في مدرسة أو قبل أن يجتاز الامتحان الذي تتحقق به … أمثلة أخرى كثيرة منها أن تُعْرف نتائج عملية ما كالانتخابات قبل إجرائها فتكون انعكاسات نتائجها قبل إجرائها وقد يكون ذلك بسنوات ….

لما يكون الفكر مسكونٌ بشيءٍ ما فهو يُحوِّل كل ما يراه ويسمعه لمعانٍ تخص ذلك الساكن … كلماتُ أغنيةٍ، مقطعُ فيلمٍ، نظرةُ مارٍّ في الشارع، جملةٌ في خطابٍ، حادثة سيرٍ، تدَخُّلُ أو عدمُ تدخلِ مسئولٍ فيما هو مسؤول عليه، علاج مريض من داء خطير، موت جريح لجرح طفيف لم يعالج كما يجب وفي وقته … راكب دراجة نارية اشترى خوذةً واقيةً وضعها فوق مقود آلته عِوَض رأسه وسقط ومات … مواطنٌ تشجع وحصل على قرضٍ قدره نصف شهريته واشترى شقة ولم تُسلَّم له في وقتها ولما تسلمها لم تكن حسب مواصفات دفتر التحملات وكانت جدرانها قد تشقّقت وسقفها يقطر ماءً وطلاؤها قد اندثر وصنابيرها قد انفجرت ولا لمن يشتكي، صورةٌ من أرشيف التلفزة لقردٍ حُطِّمت بيئته وبيعت أشجاره الضاربة في تاريخ الغابة دَراهِمَ قليلةٍ وأُهدرت كرامته فأصبح يمد يده يتسول الطعام … وآخرَ أصغرَ منه يرفل في سلاسل من حديدٍ في ساحاتِ مدينةٍ سياحيةٍ كبيرةٍ ألبَسَه مختطفه من أمه طاقَمَ مهرجٍ معروف لدى الأطفال ونظارات سميكة سوداء في الليل ووضع سيجارة في فمه والنَّاس فرحين يأخذون صوراً تذكارية معه …. وآخر وكأنه يضحك أُثبتَ على طاولة في مطعم “شيك” وجمجمته تفتح بمنشار كهربائي ليأكل مخَّهُ وهو حي سائح خمج عقله ونثن بالمال السهل أو الحرام أو هما معاً … كل شيء يضفي معنىً أكثر وضوحا على الساكن وصفاته وخاصياته وأصوله ونتائج التعامل أو عدم التعامل معه … هنالك آلام لا ينفع معها الشرب ولا المخدرات ولا الصلاة ولا الصوم ولا الرقص ولا الإفراط في الأكل والتهام المثلجات ولا الهجرة … قالها الأولون وصدقوا “لن ينفع الاستغفار من بات جائعاً بلا عشاء” وبالمغرببة “شحال يقدك من استغفر الله يا البايت بلا عشا؟”

أبكت تلكم الأم يوم العيد وتلك الزوجة وؤلائك الأبناء من برودة المكان الذي أُفرِغ قسراً … لن ينفعهم نواح الصغار ولا بكاء الكبار ولا جَلَدهم، تلك الأيام والليالي ستتداول بينهم إلى حين … ستعود الابتسامة والضحكة لكن سحنةَ مثل ذلك الحزن لا تزول ولو بزوال أسبابه، سيبقى الحزن ولن تندمل الجراح  … “هذي يدي ممدودة مدي يدك” … المحاكم ليست دائماً عادلة وظلمها لا يعدم العدل …

أعجبُ لمقرر الأخبار يجد نفسه مضطراً لوصف جريمة بأنها نكراء … فهل تكون جريمة إلا إذا كانت نكراء، وهل هناك جرائم جميلة أو لطيفة وهل هو يسمي كل الجرائم جرائماً وإن كانت اغتصاباً أو احتلالا أو تزويراً أو تهجيراً أو قتلاً أو اختطافاً أو حجزاً قسرياً أو ظلما طافحاً ؟ كثرة الذباب ينافسك على قهوتك الصباحية ليس فقط مزعج بل قد يمنعك منها خصوصاً إذا لم تكن تؤمن بأن إغراق الجناح الثاني يلغي سبب تلوث مشروبك … صاحب العقل يشقى … وصاحب الجهالة … أتمم وحلل وناقش … . ‘”لكن الصورة خيالو وخيالو ماشي بحالي عند اللي بحالي يعرفو وعاقد عليه كل أمال  … وأنا الگصيبة فْدِيَّ شوك …” … الله يرد بِنَا وبكم للخير … ويجعل آخرنا أحسن من أولنا …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى