متى أتعلم الخوف والكذب أكون كبرت !

متى أتعلم الخوف والكذب أكون كبرت !

الرباط – MWN عربية

عبد اللطيف زكي

ترتطم الأفكار والصور وتتدحرج بعد أن لفظتها الذاكرة  … لا وقت لدي لأجمعها وأعيد تركيبها فالرياح تنفخ فيها وتتجاذب أطرافها المتناثرة بسرعة فلن تكون أبداً كما كان اصلها … لن أتبعها في عين الزوبعة …  يتصاعد منها وجهٌ كله ندباتُ جروحٍ غائرة لازال بعضها يدمي جاحظ العينين محمرها كدواية حبر يهددني أن يأتيني ليلا كابوساً …  تمنع الدبابات الطائشة عني النوم وهي تتسابق بسرعة غير معروفة لها غير آبهة بالغزلان والخنازير والضفاضع والقنافيد والأرانب تقطع الطريق فتدوسها وتغيب في ضباب الدخان الذي تثيره وراءها أو ربما في بقايا الصوت إذ حطّمته الطائرات ذات النيران القاتلة أو هدير المروحيات العائدة من حروب الهند الصينية والريف المغربي وفلسطين والعراق وسوريا وهو يحمل صراخ الأطفال وأمهاتهم وآبائهم وهم يتطايرون فوق الألغام البشرية المزروعة في حقول الأرز والقمح ومسالك الصبية لمدرستهم … والرجل أطلق رجليه الحافيتين للريح يتبعه لهيب النار المشتعلة في ظهره يصيح بأعلى صوته ولا يصلني منه شيئاً …

لماذا لا بدَّ أن لا يُحترم التوقيت … ماذا لو تأخر مؤذن مغرب رمضان يوماً أو أسرع مؤذن السحور … ماذا كان سيحدث ؟ ولماذا يطيل كل من خطب … حتى إخصائي الدعوات في المآتم لم يجد من ينهيه على التطويل والتكرار الممل في دعواته بالرحمة والمغفرة للراحل وبالصبر والسلوان لعائلته فكأنه أحب صوته بعد أن هيؤوا له جهاز ضبط الصوت الالكتروني … على الأقل لو كان له خيال ينظم به دعوات جديدة كل مرة متجددة … الطائرة لم تقلع في وقتها ولم تهبط في وقتها وكذلك القطار لم يدخل المحطة في وقته وبالتالي لم يخرج منها في وقته … قال رئيس المحطة السبب سرقة أسلاك الكهرباء النحاسية … المسيرة لم تتأخر كما لم تتأخر قوات الأمن المخول لها توقيفها وكما لم يتأخر الطوفان والسيل والصقيع والجراد وموعد التخلص من قروض الأبناك الدولية والمرض الذي احمرت واخضرت وزرقت له لحم العيد والأحكام  … كما لم يتأخر موعد طرد العائلة من بيتها لعدم أداء أقساط الربى … ماذا لو تأخر أداء أجور الموظفين والعمال ومنح الطلبة أو انقطعت رواتب تقاعد قدماء المحاربين أو تأجل وقت بيع الخبز … 

الكلاب التائهة أخافتِ الرجل الأنيق العائد من السوق الممتاز بالحي الراقي  … ندم على اقتراح المشي على ابنه

“هل خِفتَ من هذه الكلاب يا بابا ؟” لم يكن البابا قادراً على الجواب حتى لا يثير فضول الكلاب واهتمامها بهما

“هيا، لا تسرع كثيراً، حاول أن لا تلتقي عينيك عيونها، وأن تشعر بخوفك … ”

“أنا لست خائفاً، لماذا أخاف، لكنك أنت ترتعش ويديك ابْتَلَّتْ وقبضتك اشتدت على يدي … وخطواتك تسارعت … وصوتك تكسر … وكأني أسمع دقات قلبك تتهافت …  “

“لا عليك أسرع … وها أنت ترى لا خير في الخروج للشارع …”

“هل أسرع أو لا أسرع، تأكد بابا … وهل أخرج للشارع أو لا أخرج … ماذا أرى … تلك الحياة لا غير … لا تخف بابا إن الكلاب منشغلة ببعضها البعض … هي في حالة غليان شبقي وحرارة جنسية … لا تهتمُّ لنا … انظر كيف يشم بعضها البعض … كيف لا تهتم بالقمامة ولا تحوم حولها … ”

“اسكت، هذا ليس كلام الصغار اتركنا نبتعد منها … لكن واحد يتقفى خطانا … ويشم …”

“لا أظن بابا، إن الطريق ليست لنا وحدنا … إنهم يشاركوننا فيها …لكن قل لي، هل هنالك كلام للصغار وآخر للكبار، ومتى يكبر الصغار … هذا في الوثائقي في القناة المدرسية … “

“أية قناة هذه ؟”

“لا أدري، ربما ألمانية أو بريطانية أو روسية … أو ربما فرنسية …  ألسيت كل القنوات المدرسية سيان … ؟”

“ها نحن وصلنا، لا تَحْكِ قصة الكلاب لماما ولا لأختك … إنهم لا يستحقون إلا القتل … ليست الشوارع لهم … أو السلاسل في أعناقهم … وحبذا لو انقطعت عن مشاهدة تلك البرامج الوثائقية …  ”

“أأكذب إذن، ألا تقول لي لا يجب علي أن أخفي عليكما شيئاً … وماذا عن الرأفة بالحيوان وحمايتهم … أفأشاهد أفلام الرعب التي تشاهد أنت … “

“كفى، ادخل … ولا تكثر من الكلام الفاضي … “

في سرية أعماقه يحاور نفسه “هو فاضٍ إذن كل ذلك الكلام، وليس الهدف منه أن أقتضي به … لا بأس … سأتعلم الحفاظ على لساني داخل فمي … ومتى أكبر ويكون لدي الحق في الكلام في الكلاب والحيوان وحياتهم وتزاوجهم ؟  … الآن أسمع فقط ولا أتكلم … ربما أكبر لما أخاف من الشارع ولا أخرج إليه والظلمة والكلاب وأهرب بعيني من عينهم  … ولما أعرف متى أكذب … وأخفي الحقيقة على أمي وأختي … وأكره الحيوان ولا أرأف بهم … لما أُمَيِّز بين كلام المدرسة وكلام باب وماما وما أراه في الواقع … لما أخاف كلامَ الناس ونظرتهم ورأيهم أكون كبرت … آنذاك أستطيع أن أقول الكل على أحسن ما يرام ولا شيء كذلك … آنذاك أرفع للسماء من يخيفني وأحط إلى أسفل سافلين من لا يخيفني … آنذاك أفضل أفلام الرعب … أكون آنذاك كبرت … لما لا أخرج للشارع … آنذاك أكون كبرت !”

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى