من غرائب ما سمعته مؤخراً ولا أدري كيف أفهمه وأتعامل معه

من غرائب ما سمعته مؤخراً ولا أدري كيف أفهمه وأتعامل معه

الرباط – MWN عربية

عبد اللطيف زكي

من الغريب أن هنالك من يتخذ مرجعيات وكأنها الواقع والحقيقة المطلقة كأن يتحدث عن حصار الريف ومنطقة الحسيمة لمدة عقود فيُحدث تصورات خاطئة عند من لا يعرف المنطقة، فتجده يتحدث عن عسكرة وحصار منطقة أعرفها كغيري حق المعرفة لأنني لم أزرها مراراً فقط بل اشتغلت في ثخوم وقمم جبالها وقراها وتجولت في شعابها وشواطئها التي ربما حتى لم يسمع بها بعض القائلين بهذه عسكرة وخالطت أهلها مخالطة الأخ لإخوانه والصديق لأصدقائه والمتعلم لمعلميه ولم أر قط جيشاً ولم يوقفني قط جندي ولا ضابط من الجيش ولم يمنعني أحد من طرح الأسئلة المحرجة كما لم يلمني أحد عن كتابة تقارير لاذعة عن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لبعض الساكنة التي عاينتها وتناقشت فيها مع زملائي أبناء وبنات المنطقة وكان هذا بعدة مناسبات ذات العلاقة بأبحاث أكاديمية ومهنية واجتماعية لحساب مؤسسات حكومية ومنظمات دولية وكذلك في زيارات خاصة لعيادة أصدقاء وزملاء  …  تحدثنا في التاريخ القديم والحديث، في الاستعمار وفي قادة الحركة الوطنية والتحرير، تشرفت بمجالسة أبناء وأحفاد أبطال المنطقة وزيارتهم في بيوتهم وأكل طعامهم، تحدثنا في الزراعة وإكراهاتها الطبيعية والسياسية والاجتماعية، عن التعليم والتربية والثقافات المحلية، عن الصيد ومشاكله … ولم يطفُ قط حديث على عسكرة المنطقة رغم أن نقد السياسات العمومية في المنطقة لم يغب عن جلسة من جلساتنا كما قلما غاب عنها ذكر عظماء المنطقة وثوارها الأشاوس وما خلفوه في نفوس الناس في الوطن وخارجه … هذا ولا يغيب علي في صداقتي وعلاقاتي هذه الرمزية الكبيرة التي لا تبرح القلوب والذاكرة الجماعية، ليس فقط لساكنة الريف، بل لكل المغاربة، لأحداث الريف الأليمة والظهير الذي فَرض على المنطقة حالة عسكرة فعلية والتي لازالت آثارها تحز في النفوس بعد أن انسحب الجيش بعد ثلاثة سنوات من ذلك إذ لازم رمز الحصار واقع التهميش الاقتصادي الذي عانت منه المنطقة والساكنة …

من الغريب أن يتطلع البعض، ولو قلة قليلة لكن تسعى أن تروج لرأيها بشتى الوسائل كان لها ما كان من الوقع في الخطاب السياسي وفي بعض السلوكيات الجماعية، لعودة الدول المستعمرة بعد أن طردها المغاربة وتحرروا من قيودها ويحن لتدخلها في المنطقة وفيما يجري فيها وكأن ذالك ليس فقط حق لها بل واجب عليها كما أنه من أغرب الغرائب أن يتحسر البعض من عدم دعم قناة الجزيرة القطرية للحراك معتبرا ذلك تخل من قناة تهتم عادة لشؤون المضطهدين وكأنه يجهل – وهو لا يجهل – تاريخ تلك القناة ورزمانتها الايديولوجية والسياسية والعرقية … وهذا الرأي مما لا يحتمل التسامح معه إذ من واجب كل مواطن، أياً كان موقفه من واقع البلاد الاقتصادي والاجتماعي حاليا وتقييمه لتعامل المسئولين بمختلف مستوياتهم ودرجاتهم مع المواطنين، أن يتصدى له وأن يُبين بما أوتي من إمكانيات تواصلية ومعرفة للتاريخ بأن الاستعمار لم يكن قط رحيماً ولن يكون قط أرحم على شعب من أهله ولو كانوا ظالمين …

من الغريب كذلك أن ترتفع أصوات محسوبة على اتجاهات تعتد بالدمقراطية مطالبة المؤسسات بتجاوز اختصاصاتها والتدخل بما هو ليس من صلاحياتها في قضية الحراك بعد أن ناضل المغاربة – وهم من بينهم – من أجل فصل السلطات وتحقق لهم بعض ذلك في دستورهم الأخير على علاته والذي لم يقاطعوا التصويت عليه أو على الأقل لم يجهروا بذلك، يفضلون التعامل فوق القانون وخارجه أو تدجينه لأداء مهام قد تكون تريدها له جهات لا يهمها استقرار البلاد وما استعمال مصطلحات ومرجعيات مفاهيمية ترشح بالعداء للمؤسسات إلا دليل على خبايا نوايا أصبح الكثيرين يرونها في هذه المواقف  … فمطالبة القضاء، مثلا، أن يتنازل عن صلاحياته للمؤسسة التنفيذية أو لوم التنفيذية بعدم التأثير عليه أو حثها على التغاضي عما يفرض عليها القانون التدخل فيه أو المطالبة بتدخلٍ ملكي في قضايا لازالت بين يدي القضاء هذه كلها شؤون تدفع للتساؤل حول مدى تجدر الوعي السياسي ومدى استعداد الساكنة للتعامل مع القانون والسياسة والمؤسسات حسب اختصاصات كل منها … قد يطرح نقدٌ مفاده أن لا فصل موجود بين السلط في البلاد وأن تصور ذلك حالياً وهمٌ أو تغليط أو تخندق معين … كما قد يُطرح نقدٌ آخر مفاده أنه وإن وُجدت هنالك قوانين فإنها لا تطبق بسبب افتقار المنظومة القضائية للنزاهة وبأن الضابطة القضائية لا تقرر للأحداث كما كانت عليه بل كما تريده لإنزال العقاب على الأفراد والجماعات حسب نوعية تحديهم لسياسات ومصالح النظام … كل هذا النقد جائز وقد تكون بعض مرتكزاته صلبة وأخرى واهية ولكنه لا يساعد على تجسير الهوة المتفاقمة بين مختلف المتدخلين والمسئولين والساكنة والذي وجب أن يصبح نصب العيون كلها كما يجب أن يكون كذلك نقاش واضح ومسئول عن موقع القانون وضرورة تطبيقه من شروط العمل السياسي وممارسة الحريات العامة بِما فيها حرية التظاهر وحرية الصحافة والتعبير   …

ومن الغرائب التي رأيت وسمعت أن تصل البلاد إلى حالة انتفت فيها السياسة بانتفاء المؤسسات التي تمارسها تقليديا وعادة بانسحاب الأحزاب الكبرى من الساحة وذوبان مصالح النقابات مع أولويات الحكومات المتعاقبة وغياب خطابٍ سياسيٍ متناسقٍ وقادر على تعبئة الناس وصمت النخب المثقفة والمهنية الحرة التي ألِف المغاربة أن يجدونها بجانبهم في محنهم أيام الصعوبات والإكراهات فأصبح المشهد السياسي مُرهب وقنوات التواصل السياسي فيه معطلة وأدوات التفاوض السلمي فاقدة لصلاحياتها وهيكلة الجهاز السياسي متحللة متهلهلة معطوبة ولم يعد في الأفق ذلك الأمل الذي وُلد مع بداية القرن وما كان سُمِّيَ بالعهد الجديد وبالاستثناء المغربي إذ بدل التقاربِ والتحاورِ والتلاؤمِ والتفاعلِ الإيجابي الذي بُنِيَ عليهم أساس تصور الاستقرار آنذاك وتقلصت بالأمل في استمرارهم وتقويتهم عوامل الشك في المستقبل – بدلَ هذا ظهرت هوة جديدة أبعدت المتدخلين والفرقاء عن بعضهم بسرعة مذهلة ومريبة أحياناً إلى درجة أصبح المشهد يُذكِّر بحلبةِ صراعِ اصْطفَّ في كل جانبيها فريقين في مُواجهةٍ لا تُحَلُّ إلا بانتصارٍ وانهزامٍ … فريقين فقدا شروط الإصغاء لبعضهما وفهم أقوالهما والثقة في بعضهما بطريقة لم تكن منتظرة وكأن الأمْرَ مُبَيَّتٌ أو تكفلَّ به من لا دُربَةَ له على الإبحار الذكي والآمن  … من الغرائب أن يتفاقم أمرٌ إلا حد التحول إلى صراعٍ مكشوفٍ ومواجهةٍ مباشِرةٍ بين أطراف تجمعهم المحبة والاحترام وأن تُباشَر تطوراته وكأن الهدف ليس تجاوزُ أزمةٍ بل إيقادُ نارٍ وصبُّ المزيد من الزيت فوقها كلما بدت عليها علامات الانطفاء …

شكر: أشكر صديقي الأستاذ ع.ع. على قراءته النسخة الأولى من هذا النص وعلى أرائه وتوضيحاته النيرة والتي استهديت بها في مراجعته وإتمامه. ويبقى كل تقصير أو نقص أو غلط أو تجاوز في التحليل راجع لي شخصياً.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى