دَقَّ جرس نهاية الحصة … فهل نستفيق ؟

دَقَّ جرس نهاية الحصة … فهل نستفيق ؟

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

لا لن نبارك، لا بارك الله، امتلأت العنابر كلها “وقالت قطني”، لا من مزيد … غابت الريح فتوقفت المروحيات العملاقة ومعها التيار الذي به تتحرك الآليات وتستنير المدينة … غاب المد والجزر والريح فتوقفت السفينة في أعالي البحر بعيداً عن اليابسة ولا ماء شروب … اختفى آخر نورس مؤنسٍ وآخر دلفين لعوب، لم يبق إلا سرب القرش الكبير يحوم بالسفينة ينطحها ويلطمها بأذياله وهي ترتج من ضرباته … بدأت الشروخ في قعر السفينة ثم تلتها تقوب في هيكلها وجوانبها وكلما امتلأت غرق بدنها تحت خط الماء وتقلصت قدرتها على الطفو … الثقوب التي تحدثها ضربات القرش أكثر من أن تصلح أو أن تسد قبل الغرق الكامل … لن ينفع طرح الصيد كله … فات الأوان فلا تفادي للغرق … سيعود السمك للبحر وهل سيحيي بعد أن مات أو كاد … وهل لا تحيى “العظام وهي رميم”  … أما البحّار فمآله مع مهب الرياح واستئناف المد والجزر والرياح … وحنكته في إحباط نوايا القراصنة ومقاومة الأمواج “في بحارٍ ضاع فيها المجداف والملاح” ووصول مرفئ أمان ضداً على كل موانع بلوغه …

سأل المعلم “ما معنى وصل السيل الزبى ؟”

“ستاذ، ستاذ، ستاذ ….”

“أنت، ثم أنت، ثم أنت  … “

“طفح الكيل”

“جميل، لكنك فسرت بما قد يكون أكثر غرابة .. أنت “

“فاضت الكأس والبئر والقلوب والعيون ……”

“فاضت الزنازن والمخافر … “

“فاضت الجيوب والحسابات والمطامر والمخازن … “

“فاضت المطاحن … فاضت الذكريات … طال الليل وتأخر الصبح … تسطحت قمة الجبل من ثقل البرد … “

“وأنت، أترى المعنى في الفيضان كذلك، ماذا فاض في رأيك ؟”

” المدينة … “

“المدينة ؟ أفصح ووضح !”

“نعم، المدينة، فاضت المدينة وطفحت عن حدود تاريخها وعقلها وعاداتها وثقافتها وأخلاقها ولم أعد أعرفها، صرت أخافها بعد أن كنت أحس بالأمان فيها لا فرق بين ليلها ونهارها وأحيائها وأسواقها وأزقتها وفئات ساكنتها – صرت أخاف من الغرق فيها، أن تجرفني … أن تلتهمني … أن تخنقني … أن تقتحم سلامتي البدنية والعقلية … أن تؤذيني … تفيض من كل جدرانها ونوافذها ومداخل ومخارج أزقتها بما يروعني ويهدد توازني … “

- “وأنت …؟”

“الصفحات والألسنة… “،

“لو كنا قرناً قبل اليوم لقلت وحيك، أتفيض الصفحات والألسنة، وكيف وبماذا تفيض ؟”

“فاضت الصفحات والألسنة بصور القهر والفساد والاغتصاب وبالتفاسير والتحاليل والتبريرات وتوصيف أغلاط التدبير والتكهن بالفيض ومآسيه قبل حدوثه …”

“وما المشكل في ذلك … ؟”

“المشكل ليس في الغلط لكن في التباكي عليه بعد أن تعقَّد واستعصى أمره وفي تقاذف المسئوليات والسعي لإلصاقها بالغير المختلف أو المنافس وفي عدم الاعتراف الواجب بالتفريط في الدور الشخصي والذاتي في ما حصل والتقصير في العمل على إصلاحه في آنه كل من موقعه ومنصبه وموقفه وقدرته ومهمات رعايته … المشكل في الجبن وفي اندحار الشجاعة …  “

“المشكل إذن في أن الناس كانوا يروا الخطأ ويزيدون فعميت أيامهم، أهذا ما تعني ؟

“أجل، هذا بالظبط، عمِيْتْ الأيام …”

“أرى أنكم فهمتم معنى وصل السيل الزبى، فلنر الآن هل فهمتم كيف تُلاقون السيل قبل أن يصل الزبى … مالي لا أرى أصابع ترتفع ؟ هل من رأي، ما من مجيب ؟”

“لقد أصابنا ونحن نيام … هو كبوغطاط، يركب صدرك ويشل عضلاتك ويخنق صوتك وأنفاسك إلا أنك لا تستفيق منه … فلا نعرف كيف نستفيق منه … ألا قلت لنا، ألا علَّمتنا … “دَقَّ جرس نهاية الحصة …

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى