يوم يُرتفع على اليتم ويُقهَر

يوم يُرتفع على اليتم ويُقهَر

الرباط – MWN عربية

عبد اللطيف زكي

لا يعرف اليُتمَ إلا يتيمٌ … تهوى عليه الجدران والسطوح ولا تهدء الأرض تحت قدميه من الاهتزاز … أياً كان عمره وقدره وعلاقاته، يوم يقصفه اليتم يعرف أنه فقد أقوى دعاماته وقوامه … يصبح عرضة الأهوال كلها لا صدر يحميه من عوادي الدهر ولا من يكون معه في مِحنه … تُغتصب الفتات في الحافلة ويبرر أصدقاء المغتصبين وجيرانهم بأنهم كانوا فقط يتلهون وبأنهم يتامى بسطاء ليس لديهم من يهتم بهم وليسوا مجرمين فقط كانوا مخدرين وبأن الدولة هي المسئولة …  فقط كانوا يضحكون … أصاب اليتم البلادَ فأمست نساءها والمسافرين في قطاراتها وعلى طرقاتها السيارة والمتسوقين في أكبر أسواقها والمتجولين في شوارعها والمستحمين في شواطئها أهداف محتملة للرعاع والمجرمين والمخدرين …

كل يومٍ تحمل الأخبار أنباء عن أحد المحسوبين على رجال الدين وهيئة الأئمة متورط في أعمال مخلة بالأخلاق وبالقانون كاغتصاب قاصرين أو توزيع مخدرات مثلا وأخرى على محسوب على الإدارة العمومية والسلطة والقضاء ضبط متلبساً بالارتشاء أو محسوبٍ على مهن التدريس متهمٍ بالمتاجرة في الشواهد والابتزاز الجنسي مقابل النقط والنجاح وهنالك من الأعمال المشينة ما لم يُسمع به بعد كالتتاجر في كتابة الأطروحات للغير بمقابل مالي الذي يبدو أنه دخل السوق الجامعي مؤخراً … مِنْ يُتْمِ العصر الجماعي أن تنقضي القيم والقانون والمرجعيات والأخلاقية والوازع الديني واللطف والتعاضد والتضامن الاجتماعي فلا وينفجر العنف الصريح ويُبرََرُ بأنه اللهو والضحك …

كل القطاعات تتداعى لآثار اليتم وآلامه إذ فقدت أعمدتها التي كانت تتكأ عليها وأوتادها التي كانت تثبت بها في الأرض فلا يهزها ريح ولا يهدها زلزال ورُعاتها الذي يشدون عضدها ويرعَوْن كرامتها … أصابَ العطشُ قوماً والبردُ قوماً والمرضُ قوماً والإهانة أقواماً ورجت الأرض تحت أقدامهم واكتنفهم دخان كثيف صدوه بصدورهم وبأصواتهم فأدمعت العيون ووقرت الآذان وتهشمت العظام وشُجَّتِ الجماجم وسالت منها الحياة قطرة قطرة إلى أن نفذت  … وبكت الأمهات ما بقي من الدم يسري في إيمانها … وزاغت القاطرة عن سكتها واقتحمت الغيبوبة الأدمغة وتراجعت عقارب السنوات ..

تنشطر القلوبُ من اليتم ولا يعرف اليُتمَ إلا من لا ولِيَّ له – ضربتْ بيديها على فخذيها ثم على رأسها ثم على وجنتيها وعينيها فالجتين والصبيان يبكون لصراخها والكلاب يهلعون لولولتها ومعدات الحفر والهدم لا تتوقف عن تفكيك البنية الصفيحية الهشة المتآكلة التي كانت تسكنها مع أبنائها منذ أن غاب زوجها ولم يَعُد فلا تدري هل هو من الأحياء أو من الأموات، هل هي أرملة أو مهجورة أو مطلقة أو زوج مختفٍ   …

“ماذا تفعلون، ألا رحمة في قلوبكم ؟” سأل الشاب الذي يصور بهاتف نقال ذكي قدم نفسه كممثل لموقع أخبار على الشبكة العنكبوتية.

“إنه بناء عشوائي على أرضٍ خصوصية كانوا يحتلونها بدون موجب حق وأرجعتها المحكمة لمالكها الأصلي … والقوة العمومية تقوم بمسئوليتها بعد أن استنفذوا كل الطعون التي يضمنها لهم القانون … وفي احترام كامل لكل المساطر … إننا نحمي الملكية الخاصة … “

“لكن، أين سيذهبون، إنه السقف الوحيد الذي لديهم … وهؤلاء الأطفال، كيف سيتابعون دراستهم في مدرستهم … ؟” قاطع طفلٌ السائلَ “هذا ليس مشكلتنا فإننا انقطعنا السنة الماضية … فلماذا تزيدوننا قهراً وقد نَهَاكُم الله على قهرنا … كيف تطردوننا وربكم الذي تعبدون آوى اليتيم … كيف تحرموننا وقد جعل رعايتنا عليكم ونفقتنا من أموالكم … كيف تشردوننا وكفالتنا مسئوليتكم ومن حقنا في الفيء…”

“إنه الأمر القضائي والسلطات تنفذ … هذه الاعتبارات ليست من صلاحياتي … وأين تعلمتَ هذا الكلام ؟ ومن علَّمَكَهُ ؟ ألم تقلْ إنك انقطعت عن الدراسة ؟ وما حق الفيء ؟”

“بلا، قلت، فلذلك عرفتُ هذا الكلام وتعلمتُه … أما حق الفيء فلن تفهمه لأنك لست يتيماً … “

سُمِع صوتٌ مِن لاسلكيِّ المسئول وآنَهُ أعطى إشارةً لأعوانه وتجمَّعوا حوله في صفٍّ منتظم ٍثم التحقوا بعرباتهم والتحق هو الآخر بسيارته وغادروا المكان بسرعةِ صفارات وأضواء الإنذار ودون تفسير تاركين بعض الموظفين ومُشغِّل الآلة المدمرة في مكانهم … راجت إشاعة بأن أمراً أتاهم بإن يلتحقوا تواً بزملاء لهم يحاولون احتواء حركة في الشارع الرئيس داخل المدينة لم يكونوا يتوقعون أن تكون بالحجم الذي صارت عليه  … باختفائهم عن الأنظار واختفاء دعمهم صار الموظفون الباقون ومشغل الآلة المدمرة يتامى معرضين لقساوة الحياة اليومية في ذلك الحي الصفيحي الهامشي دون ولي ولا نصير …

فتح لوحته الإلكترونية ونقر في محرك البحث حرف الفاء والياء والهمزة وأجابه المحرك ليس لديك ما يكفي من الطاقة لتستمر في تشغيلي … أسرع واربطني بالشبكة الكهربائية … همهم السائق فرفع عينيه وتجلى أمامه الحجيج وهو يهرول ويلبي … وقفز قلبه لفمه … متى يبدأ رمي الجمرات … ومتى شعيرة ذكرى سيدنا إبراهيم إذ قال له ابنه “افعل ما تؤمر” … ولسبب لا يعرفه نزلت عليه سٓكينة غريبة فإن سيدنا اسماعيل استُبدِل بكبشٍ قبل أن يفعل أباه ما أُمِر … لكن السكينة سرعان ما اندثرت لما طفح لذاكرته ذلك النقاش الذي حضره بين عالم دينٍ مسلم وعالمِ دين يهودي واختلفا حول هل كان سيدنا اسماعيل أو سيدنا إسحاق من أُمر سيدنا ابراهيم بذبحه … ركبه الشك ولم يعد متأكداً من شيء ولما توقفت سيارته وشرع في عمله يعطي الأوامر لمساعديه لم يجد في صوته تلك الثقة التي تدرب عليها وتعلمها في الأكاديمية العليا … شعر أن رجليه لا تستجيب لأوامره كما اعتادها أن تفعل وأن ركبتيه ترتعشان وهو يضع خوذته الواقية على رأسه …

هدير الحجيج المتجه نحوه أعاد لرجليه ولركبتيه ولصوته فصاحتهما فقد عاش حياته كلها بدون الجواب على سؤال الفيء ولم يمنعه جهله أو شكه من أن يتمتع بسقط الأضحية وبلحومها – إسماعيل أو إسحاق، أين المشكل، ولماذا لا بد أن يعرف، المهم هو الكبش وأن يكون صلباً وقوياً وأن لا يتحرك قلبه إن اضطر، أفلا تبيح الضرورة المحظورات … وببعض الحظ قد يستبدل ما بين يديه بوسادة أو فيل أو إطار حديدي أو طبل  …  إنه كان يعرف الفرق بين مَنْ وما منذ الإبتدائي لكن غفلَ عنه ولم يتذكره إلا يوم الذهول هذا وهو يرى فيه شيباً منْ كان يعرفهم صغاراً يتشادّون الأيدي إخواناً كالبنيان العنيد لا نسب بينهم إلا مِنْ إيمانٍ بأنْ لا يُظلموا بعد اليوم شديد، كلٌّ منهم على الآخرين شهيدٌ بأن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون وأن مكرهم يوم الوعيد لعظيم…

رفضوا اليتم واختاروا أنفسهم لأنفسهم أولياء … فهل يختار اليتم بعد أن انكشف عن عينيه الغطاء … “كل نفس على نفسها بصيرة” و “كل نفس بما اكتسبت رهينة” …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى