خيبةُ اليومِ من أملِ الأمسِ

خيبةُ اليومِ من أملِ الأمسِ

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

تكسَّرَ الأمل فوق صلابةِ صخرِ الانتظار، لن يكون هنالك إذن مُنعَطفٌ ولا قطيعةٌ ولا قفزةٌ نوعية ولا مراجعة، ولا انطلاقة جديدة، ولا عُقدةٌ تُلزم بالعدل ولا رفعٌ للتحدياتٍ ولا جزاءٌ على الصبر ولا اعتبارٌ للمقاومة ولا مُساءلةٌ ولا مُحاسبةٌ ولا اعترافٌ بدفعِ الذاتِ جسدها وفكرها وذهنها إلى أقصى حدودِ طاقتها ولا جوابٌ على الأسئلة المعلَّقة الكثيرة والمعقدة، لن يكون شيء من هذا، سيبقى الصبيُّ منتصباً أمام الشاشة إلى أن ينتهي النشيد الوطني ليثب مع آخر ثلاثة كلماته ويديه ترتفع للسماء ثم يعود للهوه وأغنياته باللغات الأجنبية ولوحته الإلكترونية ولبطشه بكلبه الصغير …

التضحيةُ تحتملُ خمسَ احتمالاتٍ، حسب إحدى النظريات، إما أن تجعلَ منك بطلا وإما تسوقك للسجن وإما تُسَرِّعُ نهايتك وإما لا يلاحظها أحدٌ وإما يلاحظونها ولا يُولونَها أهميةً … ولذلك جازَ أن يُقال فيها ما قيل في الحب، مِنْهُ ما قَتَلَ – وزنٌ جميلٌ كالحب والتضحية لكنه يتَّسعُ لمعانٍ حزينة كذلك –  قال الأستاذ “أن لا تختارَ لصيغةٍ الوزنٓ الأقدرَ على احتواءِ الصورة وتسخيرِ الرمز وأداءِ المعنى وتحقيق الهدف تكون كالبجع يتبع المحراث ولا يقتات إلا بالدود  … “

حملَ الوادي الذي تأخر عنه الماء لعقودٍ فنسي النَّاسُ أنه سبق وجرفَ سيلُه الصخرَ والنباتَ والحيوانَ والبشرٓ وبنوا في ممراته وشُعبه فأتى عليهم وعلى ما شيدوه كما سبق أن فعل مرات ومرات … لو لم يكن النسيانُ لما هُزِم الروم ولما انقرض الفراعنة ولما طُرد الاستعمار مدحوراً ولما قَبِل متطلعُ للمُلك أن يستوي على عرشِ غيره ولا طامعٌ في الحكم أن يتنكر لأصحابه ولا تردَّدَ قاضٍ إعطاءَ كل ذي حقٍّ حقه ولا عميَت عين على احْمِرار أخرى … ولولا النسيان لما ارتاح بالٌ ولا نامت عينٌ ولا استمرت حياةٌ بعد ممات … هو يُحيي ويُميت أو فلتَقُل – تجَنُّباً للاشتباه والشك –  فيه الحياة وفيه الممات …

هرب يهرب فهو هارب وقد يهرب المرء وهو في مكانه لا يتزحزح عنه … وهنالك الهروب للوراء وهروبٌ للأمام … كما أن هنالك الهروبُ في الذات ومنها وإليها … ويكون بالفعلِ وبالقولِ وبالخيالِ وبالتمني كما قد يكون مُركَّباً بأي زوجٍ أو أكثرَ من هاته كأن يجتمع فيه فعلٌ وخيالٌ وقولٌ فيأتي كالهذيانِ لا تناغُمَ ولا تناسقَ يظهر على تجلياته من فرٍّ وكرٍّ وتوقفٍ ودورانٍ في حلقةٍ مفرغةٍ أو مغلقةٍ وتمطُّطٍ وانكماش … وخاصيتُه الكُبرى أنه يُفتِّتُ المعاني وينفُثُها في مصبِّ الرياح ومجاري المياه ويُقبِرُها في غياهب الآبار المظلمة وأدغال القارات البعيدة ويُلغي النيات والمقاصدَ ويعبثُ بالعقول والأفئدةِ لمَّا يُخيِّبُ الظنَّ ويُحبِط الانتطارات ويخدع التطلعات …

تتساءلُ عن مشروعية انتظاراتك وعن ما بررتها به فلا تجد جواباً مقنعاً غير سداجتك التي أقسمتَ أن لا تفرِّط فيها … تفاؤلك من سداجتك وسداجتُك من فرط ثقتك وفَرْطُ ثقتك من إيمانك المطلق وإيمانُك من أملك المرضي – أي من خوفك الراسخ – و مرضُك من استسلامك … وهل كنتَ فعلا تعرف ما كنتَ تتنتظر أم أن ذلك كنت تركته للصدفة كذلك … لا تتعلم من تجاربك وتعجز أن ترى الواقع واقعاً والحقيقة حقيقة وتأنف تصور نفسك في مستقبلٍ تكون فيه مَنْ يُنتظَر ومن يتكلم ويُسْتَمَعُ له ومن يكون محطَّ الثقة والإيمان ومن يُستَسلَم له … إذن فانس نفسك واترك الطوفان يجرفك …

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى