حديث العيد في خضم الحكرة

حديث العيد في خضم الحكرة

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

سمعت رنات جرس باب الدار وتمنيت أن لا يكون أحد يسأل عني فليست لي قابلية الحديث ولا الخوض في كلام أيا كان نوعه، هذه نوبة جديدة في طبعي لم أعرفها حتى أيام المحن الكبرى التي مرت منها البلاد والأوطان التي ارتبطتُ بها في بعض الأوقات وجدانيا وروحيا إذ كنت دائماً أحب لقاء الناس والأخذ والرد معهم في مواضيع الساعة والدهر والمستقبل بجدية واندفاع شديدين وكأن لغونا سيغير من واقعهم ويصورهم طبقاً لما نريد بعد أن ننام ونستيقظ. نوبة لم تعتريني وأنا أحس بألم اليتم للمرة الأولى والثانية حيث وجدت في كلام الناس وعبارات التعاطف والعزاء وإن كانت سرعان ما تتحول لمواضيع أخرى نوع من السلوان ولو آنيا وفي مراحل متقطعة.

كان ذلك الشاب الذي عرفته صبياً وكانت أسئلته تشدني وتستفز المحافظ داخلي وتتحدى ثقتي بقناعاتي الفكرية وتكسر ببداهتها صلابة مقارباتي لتحليل الأمور وتأويلها. سمعت صوته وهو يسأل هل أنا موجود، كذَّبتُ من كنت أوصيته أنني غير موجود لأي كان وفتحت النافذة وقلت ادخل أنا في انتظارك.

ليس تبادل السلام طويلا ثقافةٌ في علاقتنا إذ كنا كلاعبيّْ كرة الطاولة لا وقت للتفكير متاح بيننا قبل أخذ القرار وربطه بالفعل وبتوقع ردات الفعل المُحتملة والتهيء لها. سبقني بالسؤال “هل لن ينتهي هذا ؟” لم تكن هنالك ضرورة لتوضيح إحالة حرف الإشارة فهو يعود على سقمٍ قديم تطورت أعراضه خلال الثمانية أشهر الماضية فأصبحت دمالاته تهدد بالانفجار من حدة الألم والانتشار ومس الأعضاء النبيلة التي تؤمن استمرارية الحياة. حرف الإشارة هذا اختزل فيه الشاب وحمَّله ما توقع أنه كان يسكنني ولا يفارقني لسنين – كما كان يسكن ولا يفارق آخرين منهم من نعرفه ومنهم من لا نعرفهم. فهو كان يعرف أن اختزال الوقائع والنوازل والحالات النفسية والعلاقات الاجتماعية والسلوك السياسي والمحن الثقافية وتفاوت الفرص الاقتصادية وعدم تكافئها في كلمة صغيرة واحدة تكون خفيفة ثقيلة ممكن كما اختزلت، مثلا، كلمة “حكرة” لأكثر الناس حالة معيشهم اليومي في ظل صراعهم المضني لتحقيق الكرامة التي يمنعون منها وهم أهل لها وهي من حقه.

“هذا الذي تسأل عنه لا بد منتهٍ، السؤال الأصوب هو متى وكيف. ألا تذكر حكمائنا يقولون ‘من المحال دوام الحال’ شريطة أن نكون نحن هم نحن طبعاً، ما رأيك، هل نحن من نقول أننا، هل أنت هو أنت، إن كنت فعلا أنت، فماذا تفعل هنا، ألم يكن عليك أن تكون هنالك، معهم ليس معي، هل لو كنتُ أنا أنا فعلا، أكنتَ وجدتني هنا، هل علمتَ عني من قبل أنني لا أشيع جنازة صديق أو رفيق أو من يستحق أن تشيع جنازته، ما رأيك، هل نحن فعلا نحن ؟ هل صحافتنا صحافة، أحزابنا أحزاب، حكومتنا حكومة، دولتنا دولة، مثقفونا مثقفين، نخبنا نخب ؟” كعادته استمع وكأنه جالس على نار يستبق ذهنه وأفكاره ودون استئذان وأنا لازلت أتكلم انطلق كرصاص رشاش آلي …

“طبعاً نحن هم نحن، سيكون من السهل أن ندَّعي أننا لسنا نحن فنحمل مسئولياتنا أحداً آخر، أنت أنت وأنا أنا، وإن كان هنالك تقصير فنكون من اقتصرنا … ما جدوى أن نضيع في متاهات لا معنى لها ولا وقت لها هنا … أحزابنا أحزاب وهي التي نستحق، نخبنا نخب وهي التي نستحق، كلهم هم لأننا أردناهم كذلك أو تركنا لهم المجال ليكونوا على ما هم عليه … منذ الفاجعة والحرارةُ في ارتفاعٍ متفاقم والأنين وصل صداه أصقاع العالم ونحن نصد بظهورنا وكأن الربيع سيغشاه الصيف وتنتهي الدورة … دائماً تقول لي لا تفقد الأمل، إن الأصل في الإنسان هو الخير، وإن الله مع الصابرين، وإن الأمور ما تعقدت مآلها حل سلمي متى توفرت الحكمة والتضامن والتآزر، وإن لمجتمعنا آلياته التي يتوازن بها وللدولة نواميسها التي تقود بها الأمور وتحافظ بها على نفسها، وإن من سار على الدرب وصل … ما أراه هو أن ميزة الأمل والصبر انقلبت على أصحابها وأن الحكمة والمتابرة على السير متوازيان لا يلتقيان في نقطة وصول واحدة … أرى أن الأصل هو الجبن والحربائية والتأرجح من مبدئ لآخر ومن موقع وموقف لآخرين وليس كما كنت تقول لي … رأيت أن الهشاشة هي طابع ما يجمعنا وأن الغموض والإبهام هما طبع مواقفنا … لم أر لا آليات ولا نواميس تتحرك للحفاظ على التوازنات والاستمرار …” كما كان يعرف الشاب أن كلمة صغيرة قد تحيل على أمور معقدة لا تكفي مجلدات لإيفائها حقها، كان يعرف كذلك أنني أعرف أن نُون الجمع أو المثنى التي يستعملها تحيل في الواقع إلى تاء المخاطب المفرد أو إلى أنتم يجمع بها أجيال أبيه وأساتذته وجده وجيلي، كل الأجيال السابقة غير جيله …

“أنت محق، أنتم أبرياء مما يحدث، لكن هل لا حل أمامكم إلا الاحتجاج، لم تنصفكم المدرسة لما لم تفصح لكم عن واقع بلادكم القديم والحالي ولم تهيئكم لما هو أتي، لما لم تحتضنكم كلكم بنفس الحِنِّيَة ولم تطعمكم وتغذيكم نفس الغذاء، لما فضلتْ بعضكم عن بعض، لما كرستْ بينكم تهيئات وتصورات وتقديرات غير ملائمة لواقع العالم الذي تعيشون فيه وقطيعةً مع التاريخ الحقيقي لشعبكم … ” تزايد قلق الشاب .،.

“أهذا كل ما لديك، أهذا كل ما تعرف، إنك تعيد علي نفس الأسطوانة كلما جئتك ؟ الحالة لا تستدعي التحليل والتوصيف، هذا أصبح علماً شائعاً يعرفه الكل، الحاجة الآن للعمل، ما العمل، كيف نخرج من هذا، لا أريد تغييرا فيه وفي مكوناته ومقوماته فقد تعفن لحدٍّ لا يمكن شفاؤه، أريد شيئاً جديدا، لم أعرفه من قبل، كلاما لم أسمعه من قبل، بديلا وليس ترقيعَ أسمالٍ تتمزق بعد حين، كيف نفعل هذا، وكيف يكون البديل، ربما لن يكون الجواب عندك، فأنت قديم ولن يأتي منك إلا قديم، هل أنت من يسمونهم محافظين بقوة التقادم … مع ذلك أحب أن أستمع لك أو ربما أحب أن تستمع لي فإنني لا أجد حولي إلا من يحدثون أنفسهم ولا يعطون الوقت حتى لأنفسهم ليعوا ما يقولون … لا أحد يستمع لأحد، قل لي، كيف نتعلم أن نستمع لبعضنا … نسيت، جئت لأخبرك وأدعوك إن كنت مستعداً، سأذهب للحسيمة لقضاء فترة العيد مع أصدقاء لي هنالك … سمعت أنه سيتعذر على إخوان لهم وجيران وأصدقاء أن يقضوا معهم أيام العيد … فما أنت فاعل ؟”

“سأحيبك فيما بعد”…

كعادته جمع الشاب وقفته وغادر وهو يقول أشياء لا أسمعها لكنني أعتقد أنني أفهم بعضها فربما كان يقول “سنرى، سيأتيك بالنبإ من لم تزود … أليس الصبح بقريب ” غادر وهو يرفع دراعه الأيمن وسبابة ووسطى يده تشكل ذلك الحرف الذي يشير للنصر.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى