English Français

هزيمة مارين لوبين

هزيمة مارين لوبين

بدر الدين الخمالي

الرباط – MWN عربية

هزيمة مارين لوبين و الجبهة الوطنية في انتخابات الرئاسة الفرنسية كان أمرا متوقعا لدى الكثيرين أما أنا فكنت أرجح العكس بالرغم من معرفتي العميقة بالمجتمع الفرنسي و بالحياة السياسية الفرنسية و بتوازنات القوى و باتجاهات مراكز القوى داخل فرنسا …و سبب ترجيح خيار فوز مارين لوبين يعود إلى ترجيح عدد من المؤشرات التي شكلت قلبا لكلاسيكيات الانتخابات الرئاسية الفرنسية

1-    فلأول مرة سيفشل الحزبان الرئيسيان في فرنسا في تقديم مرشحين قادرين على التنافس على الرئاسة الفرنسية حيث عصفت فضائح التوظيفات الوهمية بكل من فرنسوا فيون مرشح اليمين و إقصاء بونوا هامون مرشح الحزب الاشتراكي من الدور الأول.

2-    اتجاه الرفض الشعبي الفرنسي للسياسات التقليدية

3-    بلوغ مارين لوبين للدور الثاني مسنودة بحزبها الجبهة الوطنية

4-    بلوغ الشاب ايمانويل ماكرون للدور الثاني دون وجود توافق سياسي حوله

5-    قيام مشروع مارين لوبين على الاتجاهات الجديدة في السياسة الدولية و الذي مثلها صعود دونالد ترامب و هي العودة الى مفهوم السيادة الوطنية بدل الاندماج الإقليمي /الانغلاق و الحمائية /نهج سياسات صارمة بالنسبة للهجرة و المهاجرين /التقشف الاقتصادي و مراجعة الخدمات الاجتماعية / اعتماد تشريعات دون الخضوع للاتفاقيات الدولية

إلا أن المؤشرات المضادة و التي رجحت فوز ماكرون تكمن في

1-    تردد يمين الوسط و عدم دعمه لمارين لوبين و تجلى ذلك في التصويت الابيض

2-    اللائكية و انعدام التأثير القيمي على المواطن الفرنسي فالمجتمع الفرنسي مجتمع مفتوح و غير متدين و غير محافظ في أغلبيته

3-    التمسك بالاندماج الأوروبي و الخوف من الانغلاق

4-    الخوف من الاصطدام بين مكونات المجتمع الفرنسي خاصة أبناء المهاجرين و الجالية المسلمة حتى أن احد الأصدقاء قال بان صعود مارين لوبين قد يؤدي إلى حدوث حرب أهلية في فرنسا بسبب سياسات اليمين المتطرف تجاه المهاجرين و بسبب ذكريات أحداث الضواحي 2005

5-    الخوف من التغيير الراديكالي في اتجاه القيم اليمينة المحافظة بعد الأشواط التي تم قطعها في اتجاه جعل المجتمع الفرنسي مجتمع مفتوح على الحريات الفردية بتعبير يورغان هابرماس

لقد كان هناك اتجاه يذهب إلى ان فوز مارين لوبين بالرئاسة قد يؤدي إلى تقوية جبهة دونالد ترامب وتوجهاته الدولية على اعتبار التقارب الواضح على مستوى المفاهيم و طبيعة التعاطي مع الأحداث مع استثناء يتعلق بمواقف الجبهة الوطنية التاريخية من الاحتلال الإسرائيلي ومن الهولوكوست و خاصة تصريحاتها أثناء الحملة الانتخابية بان فرنسا غير مسؤولة عن ترحيل اليهود الى مراكز الاعتقال النازية la France «pas responsable du Vel  d’Hiv»  و التي أججت عليها غضب الإسرائيليين و اليهود الفرنسيين

و بالتالي فان فوز ماكرون سيجعل دونالد ترامب لاعبا منفرد في النظام الدولي و سيؤدي الى انكماش فرنسا في ظل التحالف الألماني داخل الاتحاد الأوروبي مما سيؤدي إلى تفاقم التناقضات داخل النظام الدولي وخاصة ان السياسة الأمريكية الجديدة تعتبر الاتحاد الأوروبي معرقلا لتفوقها و ازدهارها الاقتصادي مقابل تمتعه بالحماية الإستراتيجية التي توفرها له الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية

و بخلاف هذا التوجه فقد كان ينظر كذلك لفوز مارين لوبين بأنه يصب في مصلحة تدعيم محور روسيا إيران سوريا الذي يعتبر على النقيض تماما من توجهات دونالد ترامب خاصة بعدما تم الإشارة بوضوح إلى العلاقات السياسية المتينة التي تربط بين زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي و فلاديمير بوتين مما سيؤدي إلى خلق وضع جديد في الساحة الدولية قد يهدد المصالح الإستراتيجية ليس فقط للدول الأوروبية بل كذلك للولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل و للوضع في الشرق الأوسط بصفة خاصة

و قبل عدة ايام تساءلت صحيفة إسرائيلية عن كيف ستكون العلاقات الإسرائيلية الفرنسية إذا ما فازت مارين لوبين في الانتخابات الرئيسة هل سيحدث بها تحول جذري نحو الفتور و العداء بعد التحالف التاريخي الدائم و العلاقات الدبلوماسية و العسكرية الممتازة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وكيف سيكون وضع الجالية اليهودية في فرنسا او اليهود الفرنسيون تحت حكم مارين لوبين ودعتهم إلى المساندة القوية للمرشح ماكرون

و من اهم المؤشرات التي يمكن القول بأنها ساهمت في إفشال مارين لوبين هو عدم نيلها لثقة رجال الأعمال و الاقتصاديين و الشركات الفرنسية و خوفهم من تأثر المصالح الإستراتيجية الفرنسية في الخارج نظرا للخطاب و التصورات الانغلاقية و غير المنسجمة مع اقتصاد السوق التي ما فتئت تعمل على الصدع بها خلال حملتها مبشرة باتجاه جديدة مناقض للعولمة

و لم يكن الخوف لدى رجال الأعمال و النخبة الاقتصادية الفرنسية الكلاسيكية بأقل منه لدى الجاليات المغاربية و المسلمة في فرنسا فقد كانت التصريحات التي أطلقتها مارين لوبين إبان الحملة الانتخابية الرئاسية كلها تنحو نحو سياسة جد متشددة ومتطرفة تجاه المهاجرين و الجاليات الإسلامية و قد استغلت في ذلك التوترات الدولية و تداعيات العمليات الإرهابية التي حدثت بباريس لكي تشن وابلا من الهجمات على ما تسميه بالتطرف و دعت الى حظر الجمعيات الإسلامية و إغلاق المساجد ذات التوجهات المتشددة و منع ارتداء الحجاب في الجامعة …و ايا يكن الوضع فقد كان بلوغها للدور الثاني إنذارا خطيرا بما يقع في المجتمع الفرنسي من تحولات على مستوى التعبيرات السياسية و إنذارا  واضحا عن المالات التي قد تنتج فشل الخطابات التقليدية لليمين و اليسار و السياسات المتبعة خلال العشرين سنة الماضية بخصوص القضايا الأمنية و مكافحة الجريمة و الهجرة و البطالة و القضايا الاجتماعية …التي تعتبر القضايا المفضلة لدى اليمين المتطرف لحشد التعبئة الشعبية حول مشاريعه السياسية …و لولا التردد الذي أبدته شريحة كبيرة من الكتلة اليمينة الناخبة في اتجاه مارين لوبين لكان الوضع الآن مخالفا تماما …فوصول مارين لوبين للدور الثاني من الانتخابات كان نذيرا حقيقيا و مؤشرا سياسيا واضحا عما قد تؤول إليه الأمور مستقبلا في ظل تفاقم أزمة الاتحاد الأوروبي و تفاقم أزمة الهجرة تزامنا مع اشتعال النزاعات و عدم الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا و الشرق الأوسط

 .بقي أمر أخير و يتعلق بحملة التشنيع الكبيرة التي شنتها القنوات الإعلامية و الصحف الفرنسية و حتى الدولية طيلة الفترة الماضية على المرشحة مارين لوبين و التي صورتها بمثابة البعبع المخيف للفرنسيين و فرنسا و اوروبا وحرضت بكل قوة الناخبين على التصويت ضدها و لا ريب أنها استطاعت التأثير في توجهاتهم الانتخابية لفائدة ماكرون.

فوز ماكرون في النهاية هو فوز للقوى المالية و للشركات الكبرى و للتروست البنكي غامزين إلى علاقته المهنية مع بنك روتشيلد كما اعتبر البعض أن حركته إلى الإمام إنما هي حركة الكاك 40 في اتجاه تكريس سيطرة المال على السياسة و القيم و السلطة و الإنسان.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى