English Français

العلمانيون المتطفلون

العلمانيون المتطفلون

عبد الله زبير

الرباط – MWN عربية

خاطب المفكر الجزائري الراحل محمد أركون المتطفلين والمتطرفين في العلمانية ب”العلمانويين” وعيا منه بما قد يسيء إلى مسألة العلمانية من أصوليتهم ومرضهم الفكري، وأنا أخاطبهم اليوم محتشما بالعلماغوغائيين… هم خائبون، متغطرسون وواهمون. فكر العلمانية الأصيل، سواء ما انبثق منه في الغرب؛ مهده وحاضنته وصورته البديعة، أو في الشرق العربي؛ في كتابات وأفكار التوحيدي، وابن رشد، ومسكويه وابن سينا وعمر الخيام… وأولئك الذين بادروا إلى تأسيس مشروع نهضوي عربي إبتداء من نهايات القرن التاسع عشر، بحث في كل تلك الأشياء الجميلة التي تؤثث للوجود الإنساني، في السيرورة التاريخية للمشروع الديني وفي تبلوره بغرض تفكيكه وفحصه وتعريته غاية في تقويمه وتجديد خطابه وصياغة غاياته على النحو الذي يجعل منه دينا للروح والجمال والحياة ويسمح للإنسان بالتفكير والإبداع والسمو.

 لقد فشلت، للأسف، كل المحاولات في بلورة فكر حداثي علماني داخل الفضاء العربي-الإسلامي بما فيها كل “الجهود الواعدة التي بذلتها ثلاثة أجيال من المفكرين والأدباء والمثقفين العرب في بلاد الشام ومصر خصوصا”. لقد ذهبت كل أعمال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وطه حسين وعبدالله النديم وجورجي زيدان وفرح أنطوان وسلامة موسى وغيرهم من أعلام النهضة العربية الثانية أدراج الرياح كما تذهب أعمال مفكرينا المعاصرين من أمثال محمد عابد الجابري وعبدالله العروي وزكي نجيب محمود والعفيف الأخضر وطه عبدالرحمن، إلخ، لسببين إثنين حسب محمد أركون: مبدئيا، يعيق الجمود السياسي والفكري والثقافي الكامن داخل الذات العربية مشروع النضال نحو التغيير. ثم إن رد الفعل العنيف تجاه الهجمات الشرسة المرافقة للإستعمار ومحاولات الهيمنة على المنطقة الجارية حاليا تحت مسميات دمقرطة المجتمع العربي-الإسلامي يقوي من ثقافة الرفض ويدفع الإنسان العربي نحو مزيد من الانغلاقات. وأحيل على سبب ثالث يتمحور أساسا حول النزعة الإقصائية التي يميل إليها المدافعون عن المشروع العلماني اليوم وما يرافقها من تسرع وتجاوز مفضوح للمعقولية والمصداقية في طرح وبلورة الافكار.

لم تكن العلمانية أبدا مشروعا إقصائيا. بل فلسفة احتواء ممنهج ومعقول ترتكز أساسا على فكر الحداثة. الدفع السليم بها، اليوم، “يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون” بالقدر الذي نستعيد به فكر أرسطو، وهيجل ونيتشه وغرونباوم وسواهم. أي الارتكاز إلى ما يحركها حقيقة وأصالة. نقصد بذلك أن معركتها تبيئة مناخ التنوير والتحديث غاية في تجاوز هذا الوهن الحضاري المنهك، لا في التطاول على أصالة الدين، روحانيته ورحابته. معركتها في الوعي بالحال غاية في التجاوز، لا في اللغط المفضوح والحرب المسعورة على المعتقد أو التراث أو الروحانيات… يكفي أن عنوانها البارز الفصل بين الشأن الديني والمدني والفصل هنا لا يعني الإبعاد أو العزل بقد ما هو دعوة إلى ضرورة استقلالية كل طرف عن الآخر…

من هنا تبرز معركة المثقف الحقيقي، الفاعل الأساس في عملية التغيير والتجديد. واجبه الخوض في التجاذبات والتلاقحات الفكرية الأصيلة وعكسها، التدقيق في مشاريع الدولة، النظر في الواقع الثقافي والسياسي والمجتمعي وفي إستبصار سبيل المعقولية في فعل السياسة تحديدا. بحضوره الأصيل، نطمئن، نرتاح في الهجرة بين أفكار الأقطاب، في السفر بين عالمي اليسار واليمين، عالمي الديمقراطيين والمحافظين، عالمي المجددين والتقليديين وفي سواها من العوالم. تنضج الأفكار، تتضح الرؤية وتزيد الثقة في المستقبل. وربما تكون ساحة معركتها الأولى تنقية ألأجواء من التفاهات التي يخوض فيها بعض الإعلاميين والسياسيين والناشطين الاجتماعيين والمثقفين أنفسهم وأن يرفض التحامل، والتطاول والتصادم…

في كتابه حوار المشرق والمغرب، يعتبر الجابري “مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات”. ثم أنه في الغالب، “يُعبر عنها بشعارات ملتبسة”. فمناداتها وانشغالها بالحاجة إلى الديمقراطية والحرية ومشروعية الفعل السياسي أمر واجب ومطلب موضوعي ومبادرة حميدة. غير أن مثل هذه النزعة التي تعبر عن روح العلمانية الحقيقية تستوجب إلتزام العلمانيين العرب أو المنادين بها بأصالة الفكر ووضوح الرؤية ورزانة الللغة والخطاب، والابتعاد عن مواضع اللبس والتزييف والحديات…

حتى عندما يطالب هؤلاء المتطفلين بالحرية دونا عن العدالة والحكم الراشد، أو على الأقل تحديد الشروط الموضوعية لها وآفاقها وترتيب الأولويات، يصبح هذا المطلب دافعا نحو مزيد من التطاحن والتصادم بين أقطاب المجتمع ونحو معارك خاسرة. الحرية قيمة إنسانية نبيلة. لا يراودنا أدنى شك في هذه القناعة. لكن، عندما نرمي بها هكذا بجرة قلم أو بشطحة فكرية؛ كما نفعل مثلا في موضوع المثلية الجنسية، نجانب الصواب وحقيقة أننا غير مستعدين بعد لطرحها على النحو المقبول. لم نعش بعد المخاضين السياسي والفكري اللذان يسمحان لها بالوضوح كقيمة وفكرة، وبالتبلور كمفهوم وكممارسة. بالكاد نقترب منها، نزحزحها أو نتحسسها؛ بالكاد يرفضها جمع من الناس إيمانا أعمى منهم في التقليد ويدافع عنها آخرون انسياقا مفضوحا منهم في فكر التحرر الملتبس…

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى