English Français

من قصة البحث العلمي بالفشوش إلى خطر الإجهاز عليه نهائياً

من قصة البحث العلمي بالفشوش إلى خطر الإجهاز عليه نهائياً

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

لا أقسم بمهابة المعرفة وبقدسية العلم والبحث فيهما وهما الأصل والمبرر لكل عمل جامعي أو مدرسي إن ما سأقوله هو الحق غير الحق وإن كان بعضه فقط، وأنا – وأستغفر الله من قول أنا – مستعد، للبينة، أن أحيل من سيبقى له شك في الأمر على من كانوا شهوداً مباشرين عليه .

القصة وما فيها – وإن كانت ستحز في قلوبٍ كثيرة وتستفز شعور أصدقاء وزملاء أحبهم وأعزهم وأحترمهم – هو أن أعداداً متكاثرة من الطلبة الباحثين في إطار أطروحات جامعية أصبحوا يشترطون على الأساتذة المشرفين بطريقة أو بأخرى، من جهة، أن يقترحوا عليهم مواضيع تقتصر على ما يسمونه بالبحث البيبليوغرافي وأن لا تتطلب أعمالا ميدانية ولا مخبرية تستعمل فيها مواد كيماوية أو حيوية، ومن جهة أخرى، أن يمنحوهم ميزة حسن جداً على الأقل قبل أن يسجلوا مواضيعهم. هذا مجمل القول. سمعته من أساتذة لا يدخل الشك لا من بين أيديهم ولا من خلفها، سمعتهم يتفقون على أن هذا قد يكون أصبح الاتجاه الأقوى في طلبات الطلبة الباحثين. طبعاً، إن أكثر الأساتذة يقاومون هذا الاتجاه ويرفضون التعامل بشروط أيا كان نوعها إلا ما تفرضه طبيعة البحث نفسه ومناهجه والامكانيات المتاحة … لكن الضغط يتزايد لأسباب آصبح من المستعجل إفراد دراسات رصينة وصريحة لاستجلاء حقيقتها.

وفي هذا الإطار هنالك قصة واقعية تأكدت منها لدى من يهمه الأمر. ناقشت طالبة رسالتها وتداول الأساتذة ومنحوها ميزة حسن ولما سمعت بهذا لم ترضاه وألغت الحفل الذي كانت وضبته وأمرت بجمع الحلوى والمشروبات وغادرت المكان وهي تلغط. هذه قصة واقعية تأكد أخرى مثلها كنت حكيتها قبل سنين تورطت فيها مع بعض الزملاء بمؤسسة كبيرة ذات سمعة لا يخرها الماء !

سؤالي هو كيف نناقش هذين الأمرين؟ هل هما مؤشرين لشيء ما وإن كان كذلك ما هو؟ قبل اقتراح مناقشة هذين الأمرين، حاولت أن أتبين حقيقتهما بنفسي ولو بعجالة فطرحتهما على زملاء وطلبة باحثين من جامعات ومدارس مختلفة كما تصفحت مقدمات عدد من رسائل الماستر وفي ميادين اختلفت من العلوم الإنسانية إلى الحقة والتطبيقية. تأكد لي، أولا، ما سمعته من الزملاء الأولين بأن آكثر ما نسميه أبحاثاً هو بالفعل مقاربات وقراءات تقييمية ونقدية لدراسات سابقة. ليس لي شخصياً مشكل مع هذا إلا أن الأساتذة المشرفين نفسهم أجمعوا على ضعف قدرة طلبتهم الباحثين في مستوى الماستر على التحليل الممنهج والكتابة التركيبية لذلك التحليل مما يترتب عنه نصوص أكثرها ملخصات ينقصها الارتباط النظري وإطار الفرضيات المضبوطة التي تكرس الوحدة المفاهيمية وخلاصاتٌ عامة وشبه ذاتية يصعب إخضاعها لتقييم أكاديمي منهجي موضوعي. زيادة على هذا، أجمع هؤلاء الأساتذة على أن هذه النصوص يكاد ينعدم فيها إسهام فكري أو منحىً يومئ باحتمال اكتشاف ما في أفق ما من شأنه أن يغني الحقل المعرفي أو المجهود المنهجي الخاص بكل ميدانٍ ميدان.

يُرجع الأساتذة المشرفين هذا القصور لسبب بسيط هو أن طلبتهم لم يتعلموا ذلك من قبل إذ أن الكليات والمدارس والشعب العلمية،وإلا ما نذر، لا تقدم له تكوينا أو تدريبا لطلبتها في هذه المهارات والكفايات – هذا ليس كلامي بل ما اتفق عليه الأساتذة الذين استشرتهم في الأمر.

هذا القول لا يهم الرسائل التي أنجِزت في إطار مشاريع كبرى وشملت زيادة على دراسة ببليوغرافية أعمالا ميدانية ومخبرية داخل فرق منظمة ومهيكلة والتي حُررت تحت إشراف فعلي وفي إطار برنامج لتقديم النتائج ومناقشتها مع الخبراء والأتراب في منتطمات وطنية ودولية ثم إعادة ترتيبها وتحريرها حسب هذه المناقشة ونشرها طبقاً للشروط المتعارف عليها عالمياً لكل ميدان. هذه حالات موجودة في الجامعات والمعاهد والمدارس العليا إلا أنها ليست الأعم.

سيقول قائل هذه شروط لا تتوفر لكل الجامعات والمدارس والشعب والمختبرات والأساتذة المشرفين. لا أشك في ذلك فأنا أعرف شعباً، بل مدارس عليا، اشتغلت لسنوات بدون ميزانيات مخصصة للبحث العلمي، ولست من من ينكرون ذلك … وقد قيل لي شخصيا وحرفياً في سنك 1984 بالضبط “on ne t’a pas recruté pour faire de la recherche ” ومن قلها لي لازال حياً يرزق ويتمتع بتقاعده. وقتها لم يكن آخذي القرار يَرَوْن ضرورة البحث العلمي داخل كل شعب مؤسساتهم. أكثر من هذا، وبعد أكثر من ثلاثين سنة، واجهني واجهني أستاذين جهابذة – على شرفات التقاعد – في مجمع رسمي وبحضور أستاذة آخرين في شعبة من أقدم شعب أقدم جامعة في عاصمة البلاد بأن البحث العلمي لا يهمهم وأنهم حين اختيار الأساتذة لشعبتهم لا يشترطون فيهم القدرة على إجراء البحث ولا على الإشراف عليه. يَرَوْن ويقولون هذا في اجتماع رسمي ويوضحون أن الحديث عن البحث العلمي ما هو إلا ترف لا طريق له ولذلك لا معنى لاستعمال معيار القدرة والخبرة والتجربة في البحث العلمي عند اختيار مدرسين في شعبهم. أجدد التذكير بإن هذا الكلام قيل في مجمع رسمي، بل واستعمل بإلحاح شديد أثناء أخذ أهم القرارات الأكاديمية.

فالسؤال الأخير إذن، هل والحالة هذه من حقنا أن نتحدث عن البحث العلمي في كل شعب جامعاتنا ومدارسنا العليا أو أن نلوم الأساتذة والطلبة الباحثين ونقوِّم أداءهم على أساس موارد وإمكانيات وعقليات ومواقف من هذا النوع أو أن نستمر في تسمية ما يجري بحثاً ونحن نعرف أنه ليس كذلك ؟

بيني وبينكم – إن كانت هنالك ضرورة أو سبب لأن نكذب على الآخرين، فهل ذلك يجيز أو هل من المعقول أن نكذب على أنفسنا ثم نصدق كَذبنا ؟

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى