English Français

لأنك لم تتعلم

لأنك لم تتعلم

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

يبدو ان العالم كله يعرف، الكل وحده ومتّٓحد في ضده يعرف … الكبير والصغير يعرف، المعلم والمتعلم يعرف، الأول والأخير يعرف، المولود الجديد والمحتظر يعرف، من يسبح داخل الضباب أوفي قعر البحر يعرف، من يجري والمُقعد يعرف، من ذهب ومن ينتظر يعرف، الطبيب والمريض يعرف، الإنسان والحيوان يعرف، الممثل والمخرج والمتفرج يعرف، الكل يعرف إلا أنت لا تعرف. هذا ما تبث لديك دون أي شك … أن لا تعرف عالِي الثمن أو أن لا يكون لديك مفهوم لكن أن لا تُقدِّر لشيء تأتيه حسابه فذلك يستعصي فهمه وأمر لا يغتفر …

لا أعرف ولم أكن أعرف إلى أن حضرت أمامي بثباتها وبرشاقتها التي تتحداني بقوة قامَتها وصلابة قوامها وبسواد فستانها لتقول لي انهض فلقد ولى وقتك وأنت لم تتعلم بعد شيئاً … انهض، اترك المجال لغيرك … اتبعني ولا تُدر عينيك لا ذات الشمال ولا ذات اليمين، لا تلتفت، لا تدقق النظر فيما أمامك، إن بدى لك شيء وعرفته اخفض عينيك ولا ترفعها إلى أن يختفي، إن سمعت وفهمت منه شيئاً أغلق أذنيك إلى أن تبتعد ارتدادات صوته، إن وصل لأنفك عبق طيب فأغلقه إنه ليس لك، لا تبحث عن اكتمال معلومة أتتك ناقصة، لا تسأل ولا تحاول، فلقد فاتت فرصتك، كانت فرصتك وانتهت، انقضت، لم يبق منها شيء. لن تتعلم الغناء، ولا الرقص ولا العزف ولا صباغة اللوحات ولا نحت الأصنام ولا قول الشعر ولا كتابة النثر ولا فك أسرار الرموز ولا إلقاء الخطب ولا تحمل المسئولية السياسية ولا ركوب الخيل ولا السباحة ولا الرمي (فصحى وليس دارجة مغربية) ولا قراءة ولا رسم الخط الكوفي. لم يبق المهم أن تفهم أو أن تحافظ على سلامة عقلك أو على مكانتك في مجتمعك وفي مجال عملك. لن تجد بعد اليوم من يُقبلك ولا من يحكي لك قصصاً أو يستمع لقصصك. … إنك فوتت عليك الفرصة ولم تتعلم … إنك لن تنام … استمر ولا تتوقف فأنا أتقفى خطاك … كلما قطعت شوطاً تذوب الطريق وراءك وتتلاشى ويستحيل الرجوع …

لم تتعلم السباحة ضد التيار والآن ستؤدي الثمن، لم تتعلم قراءة الفناجين والأن تحتاج من يقول لك حظك، لم تتعلم أسرار الطقس والآن سيجرفك السيل، لم تتعلم الكذب واليوم تؤذيك الحقيقة، لم تتعلم الأناة والآن يضيع منك صبرك، لم تتعلم معنى الوقت والآن ستدور رحى العجلة وتحيل انتظارك غباراً، لم تتعلم الاختيار والآن يقصفونك بالأزبال، لم تتعلم كيف ترتاح وتلهو وتتأمل والآن تتعثر بين المرتزقة، لم تتعلم كيف تكون سعيداً، والآن تتوارى الآمال عنك، لم تتعلم أن تكون لك أسرة، والآن تنقطع عنك الوعود، لم تتعلم الرحمة والآن تتخبط في الحروب.

لم تتعلم البحث والآن ستغوص في الوحل، لم تتعلم كيف تفكر والآن ستضطر للانسحاب بعد أن لا تجد، لم تتعلم كيف تركز على الأهم، والآن ترى الفرص تهرب منك وتنبذك، لم تتعلم القراءة والآن ستجعل ثقتك في الزئبق وستفر منك الضفادع والفراشات والسلاحف التي تحب أن تراها وتداعبها وتؤنسك في وحدتك، لم تتعلم كيف تحافظ على مجوهرات أمك وجدتك والآن ليس لك ثمين تهديه حبيبتَك، لم تتعلم صيانة الذكريات والآن ستسيح في الفراغ وسيسكنك الخوف ولن يكون لك مرجع وسيكون مثواك في الصدف، لم تتعلم كيف تدرء الخيانة وأنت الآن فُرجةٌ في فوهة بركان يلتهمها يتلهى بها الغادي والبادي، لم تتعلم كيف تكسر القيود والآن سترى الجنين يختنق وأمه تموت أمام عينيك وأنت عاجز أن تحرر أيهما، لم تتعلم كيف تطفئ النيران التي تشعلها والآن يؤلمك أن ترى صغار القنفذة والثعلبة يحترقون في جحورهم التي كانوا يعتقدون أنها آمنة.

لم تتعلم أن تميز الليل من النهار والنور من الظلام والآن ستتلعثم عند السؤال ولن تعرف الجواب الحق، لم تتعلم الحكي والآن سيضغط التاريخ على صدرك ولن تعرف كيف تتنفس، لم تتعلم كيف تحلم والآن كلما ومضت لك عبن غلبتك الكوابيس، لم تتعلم كيف تقاوم والآن أمسيت دابة صاغرة يمتطيها الصغير قبل الكبير، من يسوى ومن لا يسوى، لم تتعلم أن تعتمد على نفسك فستكون لغيرك سُلَّماً ولن تكون لها وليا ونصيراً، لم تتعلم شروط إنسيتك فلن تكون اليوم كريما ولا حرّاً ولن تكون للآخرين كفؤا ولا لنفسك سويا ….

يوم تلقاها ستنظر لك وتبكي، ستجري نحوها، ستلقي بنفسك في حضنها، ستعرفك وستعرفها من أول نظرة لكنها ستردك عنها فأنت لم تتعلم شيئاً، ستتألم ولن تفتح لك صدرها، ستتصبب عرقاً من الزمهرير ويجمد الدم في عروقك من الصقيع وترتعش فرائسك من الخوف، سيطول بك الزمن وتُمنِّي النفس لو ينتهي ولن ينتهي حتى يأتيك نعيك وترى روحك تخرج منك، تغادرك، تحوم فوق جسدك وأطرافُك لا تستجيب لأوامرك فلا تعرف أولك من آخرك ثم تنقطع الجاذبية وتهوى وتهوى وتستمر في السقوط إلى أن ترتطم بعنفٍ بسطح المحيط الهائج وتبتلعك أمواجه ويبدء الغرق الدائري يغزو ماؤه المالح المشبع بالرمل جوفك، تكاد تنفجر، يقترب القرش مسرعاً فاه مشروعٌ كالقناة وعيناه الثاقبتين مرشوقتين في عينيك تقول لك الآن يومك تحس بأنيابه توشك تمزقك إرباً إرباً ما تلمس أديمك حتى تسري صاعقة في أعصابك ونخاعك الشوكي فتصيح بأعلى صوتك ذو الفقار أصابني ولا من يسمعك فتسيقظ مفزوعاً تظنها ساعتك فلا تريد أن تنام بعدها أبداً … تعد بالورود حين الشدة وتنسى لما تزول، وكأنك لم تتعلم أن أكبر المقت أن تقول ما لا تفعل وأن عقاب من يعز وردة تفرح امرأةً عذابٌ أليم ومستقره الجحيم.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى