الصراع العسكري في الموصل و سوريا

الصراع العسكري في الموصل و سوريا

بقلم بدرالدين الخمالي

الرباط – MWN عربية

يسارع النظام الدولي من اجل تحقيق انتصار عسكري صاخب حتى يتم إعادة تشكيل و تركيب التوازنات الإستراتيجية مرة أخرى وهذه من أكثر الأماني التي تداعب خيال الواهمين في أن هذا النظام لازال قادرا على الاستمرار وفق بنيته التقليدية الموروثة عن الحرب العالمية الثانية خاصة بعد أن ظهرت نقائضه بجلاء و وضعت حجر الأساس لبناء عالمي جديد ومختلف في تمثلانه للسلام و الأمن الدوليين و حماية حقوق الإنسان.

لكن لماذا لا ينتصر و لماذا لا يأخذ زمام المبادرة في حرب شاملة لا تبقي و لا تذر….لماذا يستعين بمرتزقة و مليشيات و فاسدين و طائفيين من اجل تحقيق المهمة البرية و يكتفي هو بالقصف الجوي و الإسناد اللوجيستي …أليس من الأجدى التدخل بشكل مباشر مادام التهديد موجه للنظام الدولي ككل.

آه بالطبع لكن ليست الأمور بهذه السذاجة و هذه البلاهة…فالنظام الدولي القائم ليس نظاما نسقيا بل هو نظام انساق متضادة و مصالح متضاربة و جغرافيا سياسية مصطنعة و سلام هش و بالتالي فالتفاعلات داخله تقوم على أساس إدراك التوازنات كما أن استخدام القوة العسكرية تحكمه عدد من الآليات و القواعد قد يؤدي خرقها إلى اختلال الموازين و انفراط التحالفات الافتراضية و الاتفاقات.

فالتناقضات القائمة بين روسيا وحلفاءها و الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها من جهة ثم التناقضات الإقليمية من جهة أخرى تشكل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة في وجه السلم الدولي الهش لذلك غالبا ما تبحث القوى الدولية عن حلول وسطى من اجل عدم المس بالوضع القائم و الحيلولة دون الوصول لمرحلة الذروة حيث تنكسر العصا من الوسط و تذهب الجهود الذي بذلت في إطار منظمة الأمم المتحدة و مواثيقها أدراج الرياح كما عصفت الحرب العالمية الثانية ذات يوم بعصبة الأمم…لذلك تشكل الحروب بالوكالة الحل الأمثل – تماما كما حدث إبان الحرب الباردة – من اجل مواجهة الأخطار المحدقة بالنظام الدولي و خاصة بعد المسارات المتأزمة التي مر منها العالم منذ 2001.

لكن هل سيستطيع أنصار النظام العالمي النقيض التغلب على المرتزقة و الميليشيات المدعومة من القوى الدولية عسكريا و إعلاميا و لوجيستيكيا و الانتقال إلى مرحلة المواجهة المباشرة.

يبشر الكثيرون بان الإجابة عن هذا السؤال قد حسمت تقريبا وان المشروع الجديد في طريقه للزوال بعد أن تم تشديد الخناق عليه عسكريا و محاصرته في معاقله الأساسية و بالتالي المسالة لم تعد سوى مسالة وقت حتى يتم تحقيق الانتصار و بالتالي استعادة النظام الدولي لتوازنه و مساره.

إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة حيث يعلم صانعو القرار العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية بأنه و لأول مرة أن الانتصار في الحرب على الدولة الإسلامية لن يكون في صالح الولايات المتحدة الأمريكية و خطتها في بسط سيطرتها على العراق ذلك لان أخلاط المليشيات التي تستعين بهم في حربها ضد الدولة الإسلامية و التي تتكون أساسا من ( مرتزقة و مليشيات شيعية و كردية ) ليس لها أي ولاء للولايات المتحدة الأمريكية و سياساتها في مقابل ولائها الطائفي و المذهبي لإيران و تحالفها الاستراتيجي مع روسيا و نظام بشار الأسد بالإضافة إلى الفساد المستشري في قياداتها و ارتكابها لجرائم الإبادة الجماعية و التصفية العرقية للعشائر السنية.

و هو ما سيؤدي إلى تغير الأوضاع الإقليمية رأسا على عقب بحيث في حالة استعادة المناطق التي يدور بها النزاع الآن في العراق و سوريا سيؤدي إلى إعلان ( إيران و روسيا ) المنتصران الكبيران و سيؤدي إلى اختلال توازن النظام الإقليمي و الدولي و إنتاج فوضى كبيرة لا يمكن حصر نتائجها خاصة وان الغطاء الطائفي المذهبي الذي يتم استعماله بكثافة سيؤدي إلى تفجير – حرب دينية حقيقية و ليست فقط حرب مصالح مغلفة بشعارات دينية كما يتم اليوم.

منذ بضعة أيام كتب احد المساندين لنظام بشار مقالا يدعو فيه إلى ضرورة تسلم روسيا لمقاليد إدارة العالم بعد أن أصبحت السياسات الأمريكية عبئا على النظام الدولي.

وهذه الرؤية التي يحملها كثيرون من أنصار نظام الاستبداد السوري و الطائفيون الشيعة لا تعني فقط تلك الرغبة في حسم النزاع السوري لصالح نظام بشار بل تعني التحول من مسار الدفاع و الممانعة ضد سياسات الولايات المتحدة الأمريكية إلى الهجوم على مراكز نفوذها الإقليمية و تغيير التوازنات في الشرق الأوسط لفائدة تحالفات جديدة و تصورات دينية و مذهبية جديدة و تمكينها من الهيمنة بل و القضاء على الإسلام السني و الزعامات التقليدية للعالم الإسلامي.

خاصة و أن تشكيلة من يساندون نظام بشار اليوم هي خليط من الشيعة و الصوفية و اليساريين و القومجيين و الأكراد و اللادينيون و العلمانجيون الذين يصطفون اليوم في شكل تكتل سياسي ممتد داخل العالم العربي ضد المشروع الإسلامي التقليدي و جماعات الإسلام السياسي التي تتهم في خطاباتهم بكونها هي التي تقف وراء إشعال فتيل الربيع العربي وقطف نتائجه و إذكاء الصراع في المنطقة عن طريق الاستفادة من الدعم ( السعودي / القطري) و الغطاء الأمريكي.

أما المفاجئة التي لم يكن ينتظرها كل هؤلاء و هي الصعود الكبير لدونالد ترامب و توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من خطابه العدائي و المثير للجدل تجاه المسلمين و الإسلام السياسي بصفة عامة فانه خطابه كذلك تجاه إيران و روسيا و حكومة العراق الطائفية لا يقل عدائية و عدوانية.

لذلك فمن المستبعد أن يتم السماح بهذا الأمر فأحيانا ما يجري بالمكاتب المغلقة يكون أكثر تدميرا من الحروب خاصة وان سياسة دونالد ترامب الجديدة ستدفع قريبا نحو المواجهة المباشرة بحيث يبدو سيناريو الحسم المباشر المتحكم فيه أفضل بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة على مستوى النتائج من سياسة الحرب بالوكالة التي يمكن القول بان نتائجها في ظل الأوضاع الحالية لن تكون في صالح الولايات المتحدة على الإطلاق.

المعضلة التي خلقتها الدولة الإسلامية في الصراع الدولي غير قابلة للحل بالأدوات الكلاسيكية لحل النزاعات كما أن تصورات الحسم العسكري تبدو غير مأمونة النتائج في ظل الاستراتيجيات الجديدة التي ابتكرتها الدولة الإسلامية و التي تعمل بجد على تغيير ميكانزماتها في كل مرة و توسيع مجالات عملها حتى وهي اليوم في وضعية الدفاع بعد أن كانت في وضعية هجوم شامل وكاسح في 2014 حين فتحت أكثر من جبهة للقتال العسكري.

كما أن المقاربة التي ابتدعتها الولايات المتحدة الأمريكية في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب من اجل توسيع و تكريس الهيمنة الأمريكية على العالم لم تعد تجدي نفعا خاصة وان خصومها اليوم يستعملونها من اجل تحقيق انجازات على الأرض و الحد من نفوذها في المنطقة و هو ما يفعله اليوم كل من نظام بشار الأسد و إيران و روسيا بحيث أصبح خطاب مكافحة الإرهاب هو التوصيف الذي يتم استخدامه من قبلهم في وصف الحرب الأهلية في العراق و سوريا و المبرر الأبرز لخرق قواعد القانون الدولي الإنساني و ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و خرق قواعد القانون الدولي بالتدخل المباشر في النزاعات الداخلية و تغيير وصفها وطبيعتها.

وقد أدى هذا إلى أزمة دولية و إنسانية خطيرة لا زالت مستمرة منذ أربعة عشر سنة في العراق و منذ خمس سنوات إلى الآن في سوريا دون أي أفق للحل خاصة مع استمرار تدخل جميع الأطراف الإقليمية في الصراع و ازدياد عمليات تمويل و تسليح الأطراف المتصارعة و انعكاساتها على إطالة أمد النزاع.

بحيث تختلط البشاعات بالخطابات الطائفية و العرقية و الفئوية و الانتهاك المستمر للقيم الإنسانية و القصف العشوائي و ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الإبادة الجماعية و الترحيل القسري و تفاقم أزمة اللاجئين التي أصبحت تهدد أوروبا بالغزو الشامل في حالة امتداد رقعة النزاع إلى تركيا التي كانت قاب قوسين أو أدنى من ذلك في صيف 2016 بعد قيام عناصر في الجيش التركي بتدبير الانقلاب العسكري الفاشل.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى