English Français

عن الإرهاب والعنف وتصور أسبابهما في الغرب

عن الإرهاب والعنف وتصور أسبابهما في الغرب

عبداللطيف زكي

كان لي مع أصدقاء وزملاء حديث حول مواقف الغرب غير المسلم من العرب والمسلمين خصوصاً بعد تفشي عمليات القتل الجماعي والانتقائي في عواصم أوربا الكبرى وبموازات مع موجات هجرة الهاربين من حروب سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان. كما يمكن أن نتصور لم يكن حديثاً سهلا ولا هينا إذ أن المقاربات والتحليلات والمسلمات ليست نفسها وتكون أحياناً متناقضة إلى حد كبير.

كانت نقطة انطلاق الحديث ملاحظة بَعضنا على ما أسماه تراجع مبادئ الثورة الفرنسية والليبرالية في سياسات جل دول أوربا وفي أمريكا التي طالما تبنتها أو ناضلت من أجل تحقيقها في مجتمعاتها وإقناع شعوبها بأنها المثل العليا في مجالات تدبير الشأن العام والمجال العمومي وضمان حقوق الإنسان الأساسية وحرياته والتي منها المساوات وحق التعبير وحق التنقل وحق الاختلاف في العقيدة والدين. كانت هذه الملاحظة تصب على تخلف الغرب في مجال التفتح على الآخر غير الغربي وغير المسيحي وخصوصاً المسلم والعربي والشرقي عامة كما تدل على ذلك حملات اليمين المتطرف التي التحق بها آخرون كانوا يُحسبون إلى القريب جداً على الفكر الحر والمتقدم ضد الهجرة وضد رموز الاختلاف الثقافي والديني وضد ما يروا فيه هيمنة متسارعة لثقافات غريبة تكاد تستبدل الثقافات المحلية في بعض مدن أوربا وأحيائها. كما أن هذه الحملة شملت إغلاق الحدود أو تشديد إغلاقها على الوافدين والمهاجرين لأسباب مختلفة واللاجئين من المجتمعات المسلمة وسن قوانين إسقاط الجنسية على كل مواطن أوربي من أصول مسلمة تبثت ضده شبهة رفض ثقافة وسياسات وطنه الذي قد يكون ولد فيه ولا يعرف غيره أو عبر عن هذا الرفض بطريقة حكم عليها بصفة الإرهاب.

استفاض الأصدقاء في الأمثلة وكاد يستقر رأيهم على أن سبب كل ما يحدث في العالم وفي العالم الإسلامي والعربي خصوصاً ومن انتفاضات الشباب الأوربي من أصول عربية ومسلمة هو هذا الغرب الاستعماري والعنصري والاستبدادي والذي لم يوفر للمهاجرين وأبنائهم شروط الاندماج الاجتماعي والحفاظ على أسس هوياتهم المختلفة والذي أبقى عليهم في هامش تطوره ونموه الاقتصادي الذي كانوا حلقة ضرورية وأساسية في بنائه، كاد أن يستقر هذا الرأي لما طرح أحدنا سؤالا فيه شيء من التحدي لهذا الموقف الأولي.

كان السؤال هو هل كان العرب والمسلمون ينعمون بالسلم الاجتماعي والعدل والمساوات وبالحقوق الأساسية للإنسان وبالتسامح مع الثقافات والديانات الأخرى في مجتمعاتهم قبل هذه المواجهة مع الغرب الغير مسلم ومتى ابتدأت هذه المواجهة ومتى انتهت وكيف كانت عبر التاريخ؟ قبل أن يجازف أحد بجواب أضاف السائل سلسلة أخرى من التساؤلات أهمها هل فتح المسلمون يوماً حدود بلدانهم ومدنهم لهجرة غير المسلمين غير مكرهين وهل يسمحون اليوم بفئة دينية مخالفة لدينهم أن تقيم شعائرها في الشارع العام وأن يتكفلوا بتهييء شروط ذلك لهم بتوقيف السير على الشوارع مثلا. وهل تقبل هذه المجتمعات المسلمة بأن تبني هذه الفئات معابدها بجوار المساجد وهل يستطيع إمام مسجد أن يخطب في الناس دون أن يدعو على كل غير تابع لدينه بالعذاب والنار ويحرض على كراهيته ومعداته وربما قتاله.

وهل يقبل عالم مسلم بنقد غير مسلم لدينه أو التطاول عليه والتشكيك فيه وهل تقبل هذه المجتمعات بأن ينادي فيها أحد بدينه ويكون من المبشرين به أو أن يقيم مؤسسات يدعو فيها لدينه ويمولها بأموال يستقطبها من بلدان أجنبية؟ وهل كان أول من قاتل المسلمين غير المسلمين نفسهم منذ صراعات سقيفة بني ساعدة وما تلاها من تصفيات سياسية دامت قروناً وربما لازالت بعض عواقبها تؤلم المسلمين إلى اليوم وهل لم يكن لاجتياح المسلمين لبقاع واسعة من العالم وطردهم دياناتها منها وإحلال دينهم بها وما يُقال أنه صاحب ذلك من أسرٍ لأسيادها وسبيٍ لنسائها واحتلال لأراضيها ونزع الملك من ملوكها دور في العداوة المتوارثة في تلك البقاع منذ تلك العصور؟

مع هذه الأسئلة أخذ الحديث منحىً آخر كاد أن يكون عنيفاً إذ أن البعض منا رآى فيها استفزازاً وخروجاً على المألوف والمتوافق عليه وعلى ما يجب أن يكون عليه فكر كل عربي قح ومسلم صحيح الإيمان ومثقف مستقل الفكر غير مستَلب للغرب وإيديولوجياته. رأى بَعضُنَا أن هذه الأسئلة غير مسموح بها وغير مقبولة في ثقافتنا وأنها تتعدى حدود الحرية وحق التعبير وسلطة البحث في التاريخ. تدخل زميلٌ وهو أكثرنا رزانة بخيط أبيض محاولا أن يعيد الحديث إلى مصب واحد مفسراً أنه عبر تاريخ الإنسانية لم يستطع الناس إلى يومنا هذا أن يعرفوا نفسهم ويحددوا هوياتهم دون مقابلتها بعدوٍّ قد يكون حقيقياً لكن قد يكون كذلك وهمياً تكون سماته حدودا لسماتهم وتقاسيمه مضادة لتقاسيمهم ومصالحه متناقضةً مع مصالحهم ويكون منافساً لهم في ما يعتبرونه حقاً لهم لا لغيرهم سواءً كان حقاً مادياً أو معنوياً.

فسَّر الزميل أن في هذا الإطار يمكن أن نفهم تطور تاريخ علاقات الشعوب والثقافات والحضارات بما في ذلك الديانات والدول حيث تتأرجح طبيعتها بين قبول الآخر ورفضه والتفتح له وإغلاق الأبواب عليه وإشراكه وإقصائه حسب موازين القوى الاقتصادية والسياسية ومستوى هيمنة فكر ما أو تردي فكر آخر. أكد الزميل أن لا استثناء ممكن إن أردنا فهم الحالة التي بين أيدينا شريطة أن يحتفظ كل منا بعقائده لنفسه ونعلق أحكامنا القيمية المسبقة وأن لا نختزل الناس في فئتين متنافيتين إحداهما فئة الأخيار والأخرى فئة الأشرار وأن لا نرى في الواقع ما نريده أن يكون عليه بدل ما هو عليه فعلا.

مع هذا التدخل تراجعت درجات المحرار إلى مستوىً أمكن معه استئناف الحديث والتبادل بتشنج أقل بكثير خصوصاً أن الإطار الذي حدده زميلنا الأكثر رزانة مكَّن من إعادة صياغة الأسئلة المحرجة إلى أخرى أقل حساسية حيث أصبح الحديث حول فهم الحاصل بالوقوف على تطورات ومسارات ومواقف وظواهرَ وتحولِ التعبير عنها تاريخيا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وسلوكيا جماعياً. فأصبح السؤال مثلا، هل ما نراه جديدٌ أو أن التعبيرَ عليه أو شكل التعبير عليه فقط هو الجديد، هل السياسات الإقصائية التي أصبحت المطالبة بها جهراً وصراحةً تعَبِّر عن مواقف جديدة أو أنها كانت دائماً متواجدة لكن بمستويات تعبير مختلفة أو دفينة تنتظر ساعتها فطفت لما أينعت ظروف بزوغها والإفصاح عن حقيقتها. يمكن التساؤل، مثلا، دون تراشق المتحدثين من منطلقات مختلفة، ليس هل كان يوماً تفاهم حقيقي بين الغرب والمسلمين لكن ما نوع وطبيعة وأسباب هذا التفاهم أو عدمه في كل حقبة حقبة وكل مجال مجال من تاريخ علاقاتهما الطويل والمعقد جداً؟

فنبحث مثلا في آثار كل فئة معنية على مؤشرات هذا التفاهم أو التباعد وعن أسبابها وعن آليات التعبير عنها حيث لا نرى العدوانية كحالة بنيوية والتناقض كشرط أساسي وعدم الثقة المتبادلة كصفة ضرورية في هذه العلاقة بل كمترتبات لأسباب قد لا تكون لها علاقة بالعقيدة وبالدين وبالثقافة وقد تكون أسباب سياسية أو اقتصادية أو هما معاً سُخِّر لخدمتها خطاب إيديولوجي تهويلي مَنعَ التقارب أحياناً وجعله صعباً أحيانا أخرى وسمح به في حالات معينة ومعروفة. إن مظاهر إلغاء الآخر ونفي نفس الحقوق التي تُمتِّع بها ذاتٌ وهوية نفسها عنه ما هي إذاً إلا تمظهرات لعلاقات غريبة عن الأفراد يُساقون فيها عن غير وعي بمحركاتها الأصلية يعيدون فيها إنتاج علاقات نمطية وخطاب وإيديولوجية جاهزين هم أدواتها وليسوا في الواقع أصحابها حيث ما يضر فرد مسلم أن يؤمن مسيحي بالثالوث أو مسيحي أن لا يؤمن به مسلم وكيف أن عقيدة كل منهما ستضر علاقاتهما الاجتماعية أو الاقتصادية؟

المشكل إذا في اعتقاد أن مبادءَ ومعتقداتِ وسلوك البعض هي مخولة للناس كلهم. مثال بسيط. كنت أعرف شخصاً من دولة إِفريقية جنوب الصحراء تعرض لشبه تعنيف من معارفه وجيرانه ومن كان يعتبرهم أصدقائه لأنه حسب رأيهم تطاول على خاصياتهم ومميزاتهم ولبس جلباباً أبيض وبلغة صفراء وطربوشاً أحمر يوم العيد وهو غير مسلم. لم يقابلوا مواطنيه المسلمين بنفس التعنيف في القول والسلوك لما لبسوا لباساً تقليدياً مغربيا، بل العكس، سعدوا لذلك وهنؤوهم به وعلى سلوكهم. قال لي لم يكن بفعله ذالك إلا يود الاعتراف لهم بعيدهم ويشاركهم فرحهم بطريقتهم. التشبه بالغير ليس دائماً متاح للكل ! هنالك أمثله كثيرة تأكد هذا الموقف في مجتمعات مختلفة وعديدة.

إن نقلنا مغزى هذا المثال من المجال المادي للمجال المعنوي لوجدنا أن البعض يتيحون لأنفسهم حريات في بلادهم لا يقبلونها لغيرهم. فإننا نسمع الكثير من الشباب – وغير الشباب – ذي السحنة العربية أو شمال إفريقية يُمنعون من ولوج بعض النوادي والمحلات العمومية في أوربا فقط لأنهم يَبدون مختلفين في حين يُسمح لذوي السوابق من ذوي السحنة الأوربية ما لا يسمح به لذوي السحنة المغاربية والمسلمة، مثلا. هذا إقصاءٌ ومنعٌ من حق المساوات وإجحافٌ بسببٍ عرقيٍ أو ثقافيٍ أو دينيٍ أو كل هته في نفس الوقت. نفس الإقصاء تبث عند التقدم لفرص التشغيل حيث ترفض طلبات ذوي الأصول الغير أوربية ولو كانوا من مواليد أوربا ومن الجيل الثاني أو الثالث. نجد مجتمعات أوربا الوسطى والشرقية التي عانت نفسها من قهر الإقصاء ومذلة هيمنة الغير وتضييق الحدود عليها تفرض نفس السلوك على الاجئين العرب والمسلمين وتتخذ نفس المواقف منهم بحجة أنهم من ثقافة متناقضة مع ثقافتهم ودين متعارض لدينهم.

هنا نفهم أن ما تعنيه أوربا بالتحرير والحريّة هو تحرير نفسها وليس تحرير الآخرين الذي يجب أن يلزموا أوطانهم إلا في حالة الحاجة إليهم فيُنادى على الفئات المُحتاجة منهم كما يُعَبر الفرنسيون على ذلك بمفهوم الهجرة الانتقائية. فأوربا، والغرب عامة، تعطي الحق لنفسها ولمواطنيها من الحقوق والحريات ما تمنع الآخرين منه. فأوربا تُصدِّر مقارباتها واختياراتها السياسية والثقافية وبالعنف إن تطلب الأمر ذلك ولا تسمح للاختيارات الأخرى أن تُعبِّر عن نفسها داخالها، بل حتى خارجها. أوربا تفرض حق التجول لصالح مواطنيها الذين يتجولون في العالم كما يشاؤون وأحياناً دون جوازات سفر لكنها تمنع ذلك على الأخرين وتفرض عليهم تأشيرات يؤدون ثمنها غالياً ولا غالبا ما لا تُمنح لهم.

ولما ترفض أوربا أن تربط عنف شبابها والتحاقهم بجنود الإرهاب عبر العالم وممارسة الإرهاب داخلها بشروط حياتهم وتربيتهم وتثقيفهم داخلها وتتشبث بربطه بأصولهم وبدينهم وثقافات أجدادهم فهي تعبر عن مواقفها العنصرية القديمة والتي لم تتحرر منها بعد. فكيف،مثلا، بُرجَع سلوك شاب فرنسي من الجيل الثاني ولد ونشأ وتعلم في مؤسسات غربية ولا يعرف غيرها لأصول أجداده ولدين لا يعرف عليه إلا بعض الكلمات التي تعلم أن يرددها وكأنها لازمة أغنية درامية؟ إن لم يكن هذا التبرء من مسئولية الدولة الغربية ومؤسساتها وثقافتها فما عساه يكون؟ لا يشك أحد في أن هنالك أيديولوجيات متطرفة وعنيفة تحوم حول العالم لكن من يعتنقها يبقى مسئولا عن قراره كما يبقى مجتمعه الذي نشأ فبه شريكاً في هده المسئولية لما أقصاه من ثقافته ومن المجالات التي يتنفس فيها الناس ويعبرون بها وفيها على نفسهم عادة.

نفهم صعوبة أوربا والغرب عامة. فالاعتراف بمسئوليتهم فيما ذهب له شبابهم اعتراف كذلك بفشلهم ثقافيا وحضاريا وسياسيا وبالعنصرية البنيوية لمجتمعهم وسياساتهم وبالتالي اعتراف لفشلهم التعامل السليم مع صراعات داخلية أولا وثانياً وثالثا قبل أن تكون امتداداً لأيديولوجيات وصراعات دينية وعقائدية أجنبية وغريبة جغرافيا وتاريخيا وحضارية عليهم وعلى شبابهم. فهل يبحث المرء عن دين وعقيدة يستوردها ومجتمعه يوفر له شروط تحقيق ذاته بدينه وعقيدته. لم يفهم الغرب بكل خبرائه وعلمائه أن الهوية والدين والثقافة لا تحدها الحدود الجغرافية وأنها تتنقل مع الناس وأنها لا تقبل أن تقمع أو أن تداس أو أن تقصى من الحياة العامة أو أن توجه كما توجه الكهرباء في الأسلاك إذ أنها تقوم باختلافها فلا يمكن فرض الإسلام المغربي على جزائري ولا إسلام السعودي على الإيراني ولا إسلام الموريتاني على الأمريكي. بمحاولتها فرض تصور واحد للإسلام في فرنسا، مثلا، تنفي فرنسا على الإسلام حرية الاختلاف والتعدد التي تتيحها للمسيحية والديانات الأخرى وبتدخل الدولة في تنظيم وتوجيه الشأن الإسلامي تخرق فرنسا مبدء حياد الدولة واستقلال الدين عنها الذي تتعامل به مع الديانات الأخرى. وهذا كله لا يجر إلا المعادات للمؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية ورموزها وللمواطنين من أصول وديانات مختلفة.

لم يكن لهذا الحديث أن ينتهي في جلستنا وقد يكون لم يجد لنفسه مبدءً … اتفقنا أن نعود له في أول فرصة تتيح لقاءنا، وانصرفنا كل لحال سبيله ناسيين أن نؤدي ثمن ما شربناه وأكلناه لولا حصلنا صاحب المكان إلى مربد العربات وذكرنا بذلك بكل احترام وأدب … أحسست بحرج أكبر من ذلك الذي انتابني وبعض الإصدقاء يهاجم أخرين بأن لا حق لهم في وضع أسئلة تزعزع أسس تصوراته لتاريخه وهويته وحطها محط التحليل والتمحيص وهو يتهمهم بالاستلاب الثقافي وهم من أكبر المتشبثين بقيم حضارتهم والمدافعين عنها وبجهل تاريخهم وكلهم من أعرف الناس به…. همني أن الحديث تفادى التطرق للأسئلة المحرجة التي كادت تعصف به منذ وهلته الأولى ولم يهتم بأسباب العنف والإرهاب في بلاد العرب والمسلمين غير تلك المتجدرة في علاقتها بالغرب وفي قرارة نفسي تتسارع أسئلةُ ما الذي يخيفنا في تاريخنا والذي يجعلنا ننغلق على العقل كلما اقتربنا منه وكيف نتغلب عليه ونتحرر من رمي مسئولياتنا على الآخرين ونتعلم تحملها وتجاوز ما يعيقنا فيها … ربما لما نعود للحديث.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى