زيارة مكتب من مكاتب بريد المغرب

زيارة مكتب من مكاتب بريد المغرب

عبد اللطيف زكي

الرباط – MWN عربية

الزمن: العاشرة وإحدى وأربعين دقيقة بالظبط يوم ثلاثاء
المكان: مكتب البريد بحي النهضة، الرباط، المغرب
سبب التواجد: سحب حوالة من مأة وثمان وعشرين درهم
النظام: نظام إلكتروني يوزع ورقات الأدوار، حدد لي الجهاز رقم 153 والشاشة تبث عليها رقة 58، أي يفصل بيني وبين دوري خمس وتسعون زيوناً.
المكاتب المفتوحة: اثنين باستمرار وواحد للقضايا المعقدة أو لأسباب أخرى يفتح ويغلق حسب الحاجة.
وقت الانتظار: لا أحد يعرف والكل يغضب إن سألته
الحالة داخل المكتب: حرارة مرتفعة خصوصاً بسبب النوافذ الزجاجية العريضة دون خوامي، الهواء قليل بسبب أعداد الناس المتزايدة، صفين من الكراسي من خمسة كرسي في الصف كلها معرضة لاشعة الشمس الحارقة وصف آخر ربما من أربعة كراسي، الصفين الخلفيين يستحيل استعمالهما.

على العموم، الزبناء ملتزمون بالنظام وينتظرون أدوارهم بصبر وجلد وكأن القدر لا مرد له حل بهم. الموظفون يبذلون جهدهم جاهدين في المحافظة على برودة دمهم وخدمة الزبناء باحترام إلا في أحوال قليلة ارتفعت أصواتهم لما صعب على أحد الزبناء فهم أسباب عدم تحويل مال كان ينتظر أن يسحبه ولم يأتِ بعد أو زبون يستعجل موظفاً أو يريد الخروج عن الصف ليسأل سؤالا قبل دوره. الحقيقة هذه حالات قليلة.

بطء تقدم أرقام الأدوار يزيد من قلق المنتظرين الواقفين رغم أنهم يحاولون أن لا يظهروا ذلك. المتقدمين في السن والنساء ومرافقيهم والزبناء الشباب والأصحاء ينظرون بنظرات قاتلة لأصغرهم سناً إذا كان جالساً مهتجنين لماذا لا يتخلى عن مقعده لغيره. لا يتصورون أن من أصغرهم سنا من هو مريض أو لا يقوى على الوقوف لوقت طويل لسبب من الأسباب. تجاوزت حدودي واقترحت على أحدهم كان يحادثتي بين الفينة والأخرى أن يتخلى عن مقعده لامرأة بدى عليها التعب من الوقوف ومن ثقل وزنها الفارط وفاجأني بجواب استغربت له : “ألسن يدافعن عن المساوات والمناصفة في كل شيء، لن أتخلى عن مقعدي إلا لامرأة أعرف أنها لا تؤمن بهذه الخزعبلات ولن أكون متسامحاً إلا مع امرأة تعرف قدرها كامرأة”٠ لم أر المكان والوقت ملائمين للاستفسار عن ماذا يعني بقدر المرأة ومعرفتها إياه وأطبقت صامتاً.

الثانية عشرة والدقيقة الثامنةً عشرة ورقم الدور المثبت على الشاشة الحائطية مأة وخمسة وثلاثين. خمس وخمسوسا زبونا في ساعة ونصف تقريباً، حاولت عملية حسابية كنت أظنها سهلة لمعرفة كم زيوناً بقي ومعدل الوقت الذي يتطلب لمعالجة مصالح كل واحد لكنني عجزت. على الساعة الثانية عشرة وخمسون دقيقة كان دوري، أصبحت العملية سهلة تسعون زبوناً في ساعتين وعشر دقائق لمكتبين اثنين معدل شبه قياسي، ثلاث دقائق ونصف تقريباً للزبون الواحد علماً أن بعض الخدمات المطلوبة معقدة وأن عددا كبيراً من الزبناء أميين أو شبه أميين يستوجب على الموظف مساعدتهم في تعبئة الوثائق أو في تصحيحها مما يزيد ضجر الموظفين وفي قابليتهم للانفجار.

المشكل إذن ليس في أداء الموظفين ولكن في قلتهم وفي الحرارة المفرطة داخل المكتب وندرة الهواء النقي مما يزيد من صعوبة الانتظار. ساعتين كاملتين ويزيد لسحب حوالة في قلب العاصمة، ربما وجب على المسئولين إعادة نظرهم في معنى كرامة الزبون وقيمة وقت المواطن وقدرة الناس على الصبر والاستماتة، علماً، طبعاً، أن هذه الخدمات ليست مجانية وليست عملا خيريا وأن الزبون يؤدي عليها ما قررته إدارة البريد. يمكن أن يقول قائل هنالك حلول أخرى متاحة غير مكاتب البريد لكن الملاحظة ستكون مردودة على أصحابها لأن الخدمة البريدية تبقى خدمة عمومية من حق كل مواطن اللجوء إليها ومن واجب المسئولين عليها أن يجعلوا تناولها مريحاً ومحترِماً للكرامة، فهذا ليس اختيار ببن يديهم بل واجب في عنفهم تجاه كافة المواطنين.

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى