مكاينش معامن

مكاينش معامن

عبدالله زبير

القنيطرة – MWN عربية

“مكاينش معامن” أكثر من مجرد تعبير إصطلاحي يحيل على الضحك والهزل، فالعبارة تحيل في عمقها على خصلة مجتمعية بئيسة وتحمل قناعة يدركها جموعنا بالغ الإدراك. عبارة تجعل جمهور المغاربة، حسب المفكر المغربي عبدالله العروي، “يجمع ويجتمع على فكرة ادخل سوق راسك”، وأن فكرة العيش والعمل والتضحية في سبيل الجماعة لا يقول أو يعمل بها إلا أقل القليل. وهذه هي مشكلتنا الكبرى…

في صيف 1999 بباريس، جمعتني الصدفة برجل فرنسي مقيم بالمغرب؛ تحدثنا حينها عن التاريخ والعمران، عن الفن والحياة والتقليد والدين…تحدثنا عن الثقافة والعادات وعن الوطن…، وطن عاش فيه هذا الفرنسي غربة المهاجر ونعيش فيه نحن، أهل البلد، غربة المواطن. كان لقاءا عابرا وجدنا فيه معا فرصة لفهم ما يفسر واقع المغاربة المعاش… كان الرجل يومها حائرا، مندهشا ومتسائلا: لماذا لا يعكس المغاربة عمق تاريخهم؟ لماذا يغيب الذوق في حياتهم؟ لماذا تغيب اللياقة في كلامهم وسلوكاتهم؟ ما يبرر فوضاهم في الشارع العام؟ لماذا لا يتعاونون؟ هل هو مشكل ثقافة أم مشكلة دين؟ أم مشكلة وعي؟

ما شغل بال صاحبنا بالأمس، وهو يرتشف فنجان قهوته الباريسية، يشغل بالي اليوم وأنا أتامل في عبارتنا هاته، “مكاينش معامن” وفي أخرى ربما أكثر دلالة وأغنى وصفا وتوصيفا. “لي بغا يربح العام طويل”، “تفوتني ها أنا وتجي فين بغات”، “راسي يا راسي”، “والله يعطي بوها هذ البلاد الزلزال” عبارات تعكس فهما مغلوطا لفعل الحياة المشتركة و تغييبا لحس المواطنة وتحيل على خلل وإعوجاج رهيبين في الإنتماء. عبارات قد يجد فيها ذاك الفرنسي ما يزيل ريبته وحيرته، وقد يجد فيها مفكرنا عبد الله العروي ما يدافع به عن بعض من قناعاته، وقد نفسر فيها نحن ما جعل الكوميدي المغربي حسن الفد يعاود عبارة ” مكاينش معامن” في سلسلته الفكاهية ‘الكوبل’؛ سلسلة إستسلمنا جميعا لسخريتها وطرافتها وتجاهلنا فيه الدلالة والرمزية.

يعيش المغاربة يومهم بين عالمين: عالم الفرد والأسرة والقبيلة؛ عالم خاص نحافظ فيه على الأناقة والعراقة والذوق، وعالم الشارع والمدينة والآخرين؛ عالم تعمه الفوضى والخراب والوساخة ولا يهمنا في أمره شيء…عالم لا يعنينا. ما يبرر هذا الذي أشبه بالإنفصام؟ قد نوجز الإجابة في ضوء هذه الثلاثية: أزمة وعي أخلاقي مجتمعي، وسياسة لاتربي على الإنتماء وتصور ديني مغلوط…

أخلاقيا، نفترض في الفرد، في المغربي، الفضيلة والإستقامة والصدق والأمانة ونطلب فيه الوعي؛ “وعي بإنسانيته وبضرورة التعايش والمسالمة بدل العنف والتقاتل”، وعيه بذاته وبواجبه تجاه نفسه وتجاه الأسرة والقبيلة والمجتمع ككل. بهذا فقط يتحقق للفرد الرضا وللمجتمع النماء. بهذا فقط يجد كل واحد منا مقصده في الحياة الكريمة والعيش النبيل…

سياسيا، الدولة لا تربي على المواطنة ولا يظهر رجالاتها ما يحيل على غير ذالك ؛ هم فقط زمرة من السراقين والفاسدين. سياساتها بئيسة، خدماتها عقيمة ولا تعكس فلسفتها في الحكم أي إلتزام أو إدراك لضرورة بناء مجتمعي سليم. لنتأمل فقط في بناياتها ومرافقها ونرى فيما تحمله لنا من دلالات؛ محاكمنا و إداراتنا ومخافر أمننا، وحتى مدارسنا، مجرد بنايات جرداء يسكنها بياض الجدران ووجوه شاحبة، تغيب فيها رحابة التاريخ وجمالية الذاكرة ويسكنها الخوف والريبة. الدولة عند عموم المغاربة تعني السلطة والقهر والإبتزاز…لا نبل يتوخاه المرء في واقع كهذا!

دينيا، مشكلتنا أشبه بالمصيدة؛ لها وجهين. أولهما: أننا مازلنا نقف موقفا فيه الكثير من اللبس والغموض؛ موقف بين منزلتين لم نستطع بعد الحسم فيهما أو تحقيق وتفعيل توافق بناء بينهما، لا نستطيع التقدم نحو المستقبل يقينا في الحداثة ولا العودة إلى الوراء، إلى مجد الماضي…ثانيهما: إهتمامنا الفاضح بالمعتقد، بالطقس الديني وبالوعد وإهمالنا المفضوح لجمالية الدين ومدنيته ورحابته. نعتقد في ربانية الله وفي قدسيته؛ وهذا أمر نسلم به، وننسى رسالته في العمران، نرجو كمال الآخرة ونتجاهل وساختنا في الدنيا. الدين ليس مجرد صلوات وصيام، الدين فن حياة ومنهاج عيش مشترك…وهذا شأن لزم على فقهائنا الخوض فيه بالقدر الذي يلزم سياسيينا ومثقفينا؛ وإن في مناح أخرى…لعل حينها يجد صاحبنا الفد ونجد معه “معامن، معامن نبنيو هاذ البلاد ونعيشو فيها”، بذوق ورقي وأمان وكرامة…

 

 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى