كلام في المقرئ والمشيخة

كلام في المقرئ والمشيخة

عبدالله زبير

شيكاكو – MWN عربية

على عادتي وطباعي، أختار دائما التريث وأفضل التأني وهي عادة تسمح لي بمجالات أرحب للتأمل فيما يشغل بالنا جميعاً نحن المغاربة. بهذا تتبين لي الأمور بشكل أوضح فأقترب من المواضيع في شموليتها وأبتعد عن الحكم على مستجدات الأمور في غير سياقاتها. طباع أراها تعتقني من عالم المغالطات الذي أراه يتشعب ويتقوى في ثقاتنا المغربية هذ الأيام ويسكن فيه برحابة الكثير من إعلاميينا ومثقفينا وفنانينا وسياسيينا. الأمر في بعض منه سياسي مادامت هناك في الساحة نخب تجد في هذه الثقافة فرصة للمزايدات وفي بعضه الآخر ثقافي مرتبط بمجتمع لازال يرفض الممارسة الحياتية السليمة. في هذا العالم تكثر الفوضى ونضيع جميعا فيها…

مايميز واقعنا اليوم هو كثرة القيل والقال وكثرة المغالطات. قال مقرئ منا كلاما في بعض من أهلنا وكان كلامه جارحا مجحفا في حق الكثيرين. نعم يحمل السوسي فينا جميعا تصورات معينة يشاركنا السوسيون أنفسهم الخوض فيها كما يحملها الجبلي والعروبي والصحراوي… وإن في سياقات مختلفة. الواقع نفسه وlلدلالات نفسها والثقافة نفسها. هو المجتمع نفسه يعيش في بعض من لحظاته على نكت مغلوطة أو مزح غير مقبول. في هذه الثقافة وجد المقرئ نفسه يخوض في هذا الغلط ووجدنا أنفسنا نلومه ونتهجم عليه ونسينا أن العيب يلازمنا بالقدر نفسه…

من دانيال وفضائحه مع الجنس إلى شيخنا أبو النعيم وقصصه مع التكفير. زمن ممتد من القيل والقال وكثرة اللغو. البارحة حكاية لطيفة أحرار وخشبة مسرحها العارية واليوم أبو زيد الإدريسي ونكتته الوقحة وبينهما حكايات لا تنتهي عن الشرف والعرق والتعدد واللغة والدين والتراث… الأمر في بعض منه مقبول مادامت المجتمعات السليمة والحية تنشط وتتحرك بإستمرار. لكن أن يصل حالنا إلى هذا الحد من المصادمات والمغالطات فذاك أمر غير حميد ومريب في بعض منه. نعم مريب! فالأمر قد يكون مجرد تشويش على الواقع المعاش وتلهية للناس عن قضايا الوطن الحقيقية…

فعل دانيال فعلته الشنيعة فخرج الشعب للشوارع وأسمع صوته عالياً في الساحات. مرت الأيام وسكت الجميع ونام الوطن في سباته العميق. خرج علينا رجل دين تقي بكلام غير مقبول فتطرف فيما ذهب إليه وخرجت عليه جموع من الناس وتطرفت أكثر منه. هي موضة جديدة بدأ الشعب يستأنس بها كثيرا فيخرج اليوم ويصيح ويسكت في الغد. موضة يتفنن البعض في رسم طرازها الفريد. موضة تغرقنا يوماً عن يوم في وحل الحياة المجتمعية والسياسية الفاسدة والغير-ناضجة. موضة تشغلنا بالتفاهات وتدخلنا إلى عالم قدر من المزايدات. أليست حياتنا اليوم مجرد ملاسنات بين بنكيران وشباط وقضايا في المحاكم؟ أهذه هي الممارسة السياسية الحقيقية؟ أليست حياتنا سوى كلام عن هذه “المغنية” سينا ولطيفة أحرار وعيوش؟ أهذا هو الفعل الحياتي السليم؟ هي بالفعل موضة تتملك وجداننا المشترك وتجعل من ثقافتنا مجرد لغط وقيل وقال وأصبحنا معها عاجزين عن فهم الحياة وإنشغالاتها فهما صحيحا.

ما قاله أبو زيد نقوله جميعا في الشوراع والزقاق. نقوله بالليل والنهار، في صباحياتنا وأمسياتنا، في خلواتنا وفي جلسات الشاي. نقوله ونحن غير واعون بتفاهته أحيانا وغير مدركون لسلبيته وهذه هي مشكلتنا اليوم. مشكلتنا أن عيوبنا صارت مجرد أوراق خاسرة يلعب بها سياسيون وإقتصاديون وفنانون ومثقفون وإعلاميون في جلسات قمار رخيصة. مشكلتنا أن ثقافتنا المغلوطة في بعض منها صارت أرضية معارك خاسرة بين علمانيين وإسلاميين، عروبيين وأمازغيين… وهي معارك تافهة بأي حال. المهم هو أن نفهم جيدا أن ما قاله المقرئ أبو زيد يوما في الخليج يتداول ما بين الناس كما تتداول أشياء أخرى كان لزامنا علينا التنقيب فيها ودفعها بعيدا عن ثقافتنا ومجتمعنا والبحث بعمق فيما قد يجمعنا حول قضايا الوطن الحقيقية بعيدا عن خطابات التفرقة والإستقطابات.

يغلب على إعلامنا اليوم؛ خصوصاً البديل منه، تسرع غير مفهوم في التعاطي مع الأحداث. تسرع تغيب معه الموضوعية والدقة وتواكبه غالباً حمولة من العشوائيات ونفقد معه كل فرصة في التأمل والبحث في حيثيات الأمور وتفاصيلها. بهذا التسرع ربما تغيب الكثير من الحقائق ونضيع غالباً في فوضى تبدو قاتلة. المشكل يتجاوز المقرئ ونكتته بالقدر الذي يتجاوز أبا النعيم وتصوره للكفر ولشكر وكلامه المجحف…المشكل بنيوي ومركز ويرتبط إرتباطا وثيقا بثقافة لازلت عاجزة عن فهم الأولويات فتركز جل إهتماماتها وإنشغالاتها في عالم التفاهات. عالم ربما يروق للنخب السياسية والإقتصادية المتسيدة في البلاد أن ترانا نعيش فيه ونتصادم.

ما نحتاجه اليوم هو العمل جميعا بكل أطيافنا وألواننا وإختياراتنا على المساهمة في خلق ثقافة بديلة تغني الموروث الحضاري والتاريخي لهذا البلد وتقوي من لحمة شعبه وتدفعه نحو خوض المعارك الرابحة؛ معارك العمل والبناء…

يتبع…

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى