الانتداب البرلماني في المغرب بين قوة الامتيازات وضعف الأداء

الانتداب البرلماني في المغرب بين قوة الامتيازات وضعف الأداء

 أحمد الدرداري

طنجة – MWN عربية

بمرور نصف قرن على تأسيس البرلمان بالمغرب وما تمخضت عنه من تجارب اتخذت من طابع الثنائية المجلسية السمة الغالبة على الحياة البرلمانية بينما الأحادية التي فرضتها ظروف الستينيات والسبعينيات السياسية كانت استثناء، مما يدفعنا إلى التساؤل عن الدور الذي يلعبه البرلماني (صوت الشعب) والتنزيل الحقيقي لاختصاصاته الجوهرية والفعالة من أجل خدمة الوطن والمواطن والمسألة الديمقراطية، لاسيما وأن العضو البرلماني يتمتع بامتيازات مطلوب منه أن يقابلها بإنجازات من حجم الحصانة كحماية والتعويضات المادية التي وضعت رهن إشارته.

فضمانا لاستقلال أعضاء البرلمان، وحماية لهم ضد كل أنواع التهديد والانتقام سواء من جانب السلطات الأخرى أو من جانب الأفراد، تتضمن الدساتير نصوصا تكفل لهم الطمأنينة التامة والثقة الكاملة لمباشرة أعمالهم النيابية، نيابة عن الشعب والأمة وفق النص الدستوري والأنظمة الداخلية للمجلسين.

الحصانة البرلمانية

الحصانة البرلمانية نوعان:

حصانة موضوعية، وهي التي تحمي الأقوال والأفكار والآراء التي تصدر البرلمانيين أثناء ممارستهم لأعمالهم ووظائفهم النيابية من أي تعسف وتسمى باللامسؤولية البرلمانية.

حصانة إجرائية: وهي عدم جواز اتخاذ أية إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء البرلمان ما عدا في حالة التلبس بالجريمة، وبإذن المجلس الذي ينتمي له العضو، وتسمى بالحصانة ضد الاجراءات الجنائية ، وهنا تثار مسألة الحصانة بسبب جريمة لا علاقة لها إطلاقا بعمل العضو البرلماني وذلك لكون النائب يمثل الأمة طبقا لمبدأ السيادة الوطنية. لهذا نعود لنعرف الحصانة البرلمانية على أنها: “ضمانة للعضو البرلماني يحددها الدستور والقانون الداخلي للبرلمان، وحماية من متابعات القضاء سواء مصدرها الخواص أو الحكومة”، إلا أن هذا لا يعني أن البرلمانيين هم فوق القانون، بل هناك ضوابط وقيود تحد من نطاق الحصانة، وتمنع من غلوائها، وإلا تعرض العضو البرلماني للمسؤولية.

وقد ظهرت الحصانة البرلمانية مع ظهور وثيقة الحقوق في إنجلترا ومع إعلان حقوق الانسان والمواطن بفرنسا، وتطورت بحسب نوع الديمقراطية السائد، وهذا ما يستدعي التساؤل عن مكانة العضو البرلماني في المغرب وأهليته وحصانته  واختصاصه وعطاؤه وأحوال التنافي مع وضعيته وتعويضاته المادية.

أهلية العضو البرلماني الانتخابية:

ترتبط الأهلية بمنطوق قانون الحريات العامة في بساطتها، وهذا يسمح لأي مواطن كان من حقه الترشح كمبدإ عام، ثم يأتي دور الأحزاب التي لها الدور الأساسي في تنقيح وتوجيه النخبة البرلمانية واختيار مرشحيها وتغطية التمثيلية في الدوائر الانتخابية، وهنا مكمن السر حيث نجد الأحزاب تزكي مرشحين لا تتوفر لديهم الثقافة القانونية أو السياسية وغير مطلعين على مهام البرلماني بشكل واسع حتى يتم تفعيل اختصاصات المؤسسة التشريعية بشكل جيد ومضبوط وواعي، بل نجد التزكيات تمنح أحيانا لغير المنتمين للحزب،  فقط له القدرة المالية لمواجهة تكاليف الحملة الانتخابية واستثمار السياسة من أجل الاقتصاد دون اعتبار للمعارف وللحمولة التشريعية للبرلمان، فنجد المقاولة موازية للعمل البرلماني، وهذا يضعف قدرة العطاء البرلماني ويؤثر على مسار المؤسسة البرلمانية لكون اللجان البرلمانية تتطلب برلمانيين متخصصين في مجالات اشتغالها، والاحزاب تتحمل كل المسؤولية في النهوض بالدور المنوط بالبرلمان من خلال الشريحة التي تقدمها لتحمل ثقل مهام هذه المؤسسة الدستورية وما تضطلع به من ادوار رقابية وتشريعية وديبلوماسية وتمثيلية واستراتيجية  حيث يتمتع البرلمان بستين اختصاصا حسب دستور 2011..الخ. علما أن الامتيازات كبيرة ومهمة ولا تسمح أن يكون البرلمان المغربي بهذا المستوى المتواضع. 

تعويضاته المادية:

بالنسبة للتعويضات: لأعضاء البرلمان تعويضات وامتيازات تحميهم من أي تأثير أو ضعف كيفما كان (حكومة، جماعات ضعط…)

ومنذ الستينات إلى اليوم عرفت هذه التعويضات تطورا، حيث هناك تعويضات تعطى في شكل راتب شهري، دون أن يرتبط بوظيفة البرلمان مثل السكن في العاصمة، الأسفار السكريتارية، الوثائق، المشاركة في الجمعيات… بينما التعويض فقد قدر سنة 1977 بـ 10000 درهم وتضاف إلى ذلك التعويضات العائلية. وسنة 1982 أصبح التعويض يقدر بـ 16000 درهم ليبلغ سنة 1993 أكثر من 30000 درهم، وهو خارج عن أي تعويض عمومي آخر، كطبيب أو محامي أو تاجر، فالبرلماني يتمتع بمجانية الأسفار ومجانية الهاتف من داخل الغرفة وللحصول على القروض كل التسهيلات موضوعة رهن إشارته.

إلا أنه هناك بعض المتتبعين والمهتمين يرون بأن هناك ضعف لبعض الامتيازات كالتعويض الشخصي، لتغطية تكاليف السكرتارية، ومداومته في الدائرة الانتخابية. الشيء الذي يسبب في خضوع ممثلي الأمة لبعض التأثيرات والضغوط، ويتمتع أعضاء البرلمان بنظام المعاشات على نوعين: عمري وهو الذي يطبق إجباريا بالنسبة لنواب الذي انتخبوا بصفة نهائية، وتحدد واجبات الاشتراك في 2400 درهم شهريا، وتقتطع من التعويض الممنوح لكل نائب، ويتوقف صرف هذا المعاش عند الوفاة. ثم هناك المعاش النيابي الشهري. والذي حدد في 5000 درهم بالنسبة للنائب الذي زاول ولاية تشريعية كاملة، 7000 درهم لفترتين تشريعيتين. و9000 درهم لمن قضى ثلاث فترات تشريعية كاملة أو أكثر، وهي مبالغ معفاة من الضريبة ولا تخضع للتصريح، وإضافة إلى ذلك فإن الأعضاء يتوفرون على نظام التأمين، وقد بدأ العمل به منذ 1987 في إطار العقد الذي أبرم بين مجلس الناب وشركة الشمال الافريقي، وفيما بين القارات.

وهناك تأمين شخصي وذلك على حساب ميزانية المجلس سواء عن الوفاة أو العجز بنوعيه الكلي والجزئي. وهناك تأمين عن المرض بشكل عام. ولهم الاختيار في تأمين زوجاتهم وأولادهم، على نفقاتهم، باقتطاع أقساط شهرية من التعويضات الممنوحة بعد توقيع التصريح المرخص للاقتطاع.

بالإضافة إلى تعويضات لمن يشغلون بعض المهام في المجلس كعضوية المكتب ورئاسة فريق ورئاسة لجنة والأمناء المحاسبون، وأيضا تعويضات التنقل في اطار المهام الخارجية والداخلية ومجانية السفر عبر القطار و التخفيض عبر الطائرة.

مسؤولية العضو البرلماني الجنائية:

إن الحصانة الهدف منها هو تشجيع العمل البرلماني مع عدم تجاهل الاستثناءات والحدود المرسومة لها وذلك حسب النصوص الدستورية بحيث أن الدستور المغربي لسنة 1962 في فصله 38 نص على ما يلي: “لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا يبحث عنه ولا إلقاء القبض عليه ولا حبسه ولا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهمته، وفي أثناء الدورات البرلمانية لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا إلقاء القبض عليه من أجل جناية أو جنحة إلا بإذن المجلس الذي ينتمي إليه العضو ما عدا في حالة التلبس بالجريمة.

وخارج مدة الدورات البرلمانية لا يمكن إلقاء القبض على أي عضو من أعضاء البرلمان إلا بإذن من مكتب المجلس الذي ينتمي إليه العضو ما عدا في حالة التلبس بالجريمة أو المتابعة المأذون فيها أو صدور حكم نهائي بالعقاب.

ويوقف حبس ومتابعة عضو من أعضاء البرلمان إذا طلب ذلك المجلس الذي ينتمي إليه العضو. أما دستور 1970 فقد نص الفصل 37 على ما يلي بعد إدخال عليه تعديلات “لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء مجلس النواب ولا البحث عنه ولا إلقاء القبض عليه ولا اعتقاله ولا محاكمته بمناسبة ابدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الاسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك، ولا يمكن أثناء دورات المجلس متابعة أي عضو من أعضائه أو إلقاء القبض عليه من أجل جناية أو جنحة غير ما سبقت الاشارة إليه في الفقرة الأولى من هذا الفصل إلا بإذن من المجلس ما لم يكن هذا العضو في حالة التلبس بالجريمة.

ولا يمكن خارج مدة دورات المجلس إلقاء القبض على أي عضو من أعضائه إلا بإذن مكتب المجلس ما عدا في حالة التلبس بالجريمة، أو متابعة مأذون فيها، أو صدور حكم نهائي بالعقاب. يوقف اعتقال عضو من أعضاء مجلس النواب أو متابعة مأذون فيها أو صدور حكم نهائي بالعقاب”.

بينما دستور المملكة لسنة 1996، في الفصل 39 دون أن يطرأ تغيير كبير على الفصل 37 السبق بالإضافة إلى القوانين الداخلية للبرلمان بمجلسيه، والتي تتضمن مواد عن الحصانة والتي تسند أمر دراستها إلى لجنة العدل والتشريع وكذا أمر التحقيق فيها.

فالعضو البرلماني يقوم بمهامه كلها في إطار الحصانة، كمناقشته للتصريح الحكومي والتصويت بكل بحرية. كما يناقش البرنامج العام للحكومة، ويمكنه مساءلتها ومناقشة مشاريع القوانين والتصويت عليها…إلخ. وتعتبر الحصانة حماية له من أي تعسف قد يتعرض له من طرف الحكومة أو أحد الوزراء. وهي على حالتين: حالة انعقاد البرلمان والحالة الخارجة عن دورات البرلمان، بينما يبقى الاستثناء هو حالة التلبس بالجريمة أو المتابعة المأذون فيها، أو صدور حكم نهائي بالعقاب وكذلك إذا جادل النظام الملكي أو الدين الاسلامي أو أساء إلى شخص الملك، ورفع الحصانة تكون إذا تقدم بها المجلس الذي ينتمي إليه العضو. (مثال ما حدث للنائب محمد الزهراوي الذي تم اعتقاله، وهو نائب برلماني على إثر ارتكابه جريمة بيع منتوج انتهت مدة صلاحيته (الجعة).

مجالات تفوق النائب البرلماني على المستشار البرلماني:

بالنسبة لمشروع قانون المالية تعطى الأولوية  للنائب على المستشار البرلماني، والتشريع ينبغي أن يأتي من الجماعات الترابية ومتطلباتها الشمولية وقضاياها الاجتماعية، فالنائب له الكلمة النهائية فيما يتعلق بمشاريع ومقترحات القوانين، رغم أن المستشار يكون قد تداولها وصوت عليها، ويصوت على البرنامج الحكومي دون المستشار الذي يعرض عليه ويناقشه، كما ينفرد بتقديم ملتمس الرقابة والتصويت على سحب الثقة في حين المستشار يقدم ملتمس المساءلة وملتمس الاحاطة. واللجان التي يشتغل فيها النواب 8 لجان  و6 لجان في مجلس المستشارين .وعدديا مجلس النواب يتكون من 395 عضوا بينما مجلس المستشارين مكون من 270 عضوا.

كما أن الاقتراع المباشر هو نمط الاقتراع المتبع لاختيار أعضاء مجلس النواب، بينما  الاقتراع الغير المباشر لاختيار أعضاء مجلس المستشارين. وحل مجلس النواب يتم باقتراح من رئيس الحكومة.

تساوي النائب والمستشار البرلمانيين:

كما أن مجالات  تشارك النائب  والمستشار البرلمانيين يتم في الاختصاصات التالية: المبادرة التشريعية والتقدم بالتعديلات، الأسئلة الكتابية والشفاهية، المبادرة لتعديل الدستور. ونفس بنية المجلسين الرئاسة المكتبية، اللجان، الفرق، المجموعات الأمانة العامة، المديريات والمصالح. ونفس المكانة في علاقة المجلسين مع الملك من خلال الخطاب والاستشارة والاحاطة علما في حالة الحرب أو الاستثناء. والتمثيلية في بعض المؤسسات (المجلس الأعلى للأمن). وفيما يتعلق بطلب الرأي من بعض المؤسسات (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي،  والمجلس الوطني لحقوق الانسان). ثم الوضعية الاعتبارية للبرلمانيين كالحصانة والتعويضات، واللجوء إلى المحكمة الدستورية (دستورية القوانين). ومناقشة بعض الهيئات ومؤسسات الحكامة كالمجلس الوطني لحقوق الانسان  والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

أحوال التنافي:

بالنسبة للعضو البرلماني في المغرب يمنع عليه الجمع بين العضوية البرلمانية، ومهام أخرى المحددة فيما يلي: عضو المجلس الدستوري، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مع أكثر من رئاستين لجماعة محلية، أو مجموعة حضرية، أو غرفة مهنية، وكذا مع مزاولة أي مهمة عمومية غير انتخابية، ما عدا المهام الحكومية في مصالح الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية، وتتنافى مع رئيس مجلس الادارة أو متصرف منتدب أو مدير عام، أو مدير وعند الاقتضاء تتنافى مع مهام عضو في مجلس الادارة الجماعية أو عضو في مجلس الرقابة المزاولة في شركات المساهمة التي الدولة أكثر من 30 % من رأسمالها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وكذا مهمة مستشار يزاول مهاما تؤدي عنها الأجرة دولة أجنبية أو منظمة دولية. تغيير انتمائه الحزبي أو الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. وتخلفه عن إيداع جرد لمصاريفه الانتخابية داخل الأجل القانونية أو عدم إدلائه بالوثائق المثبتة للمصاريف أو عدم احترام تنبيهات المجلس الاعلى للحسابات. وكذا مزاولته لمهمة تتنافى مع انتدابه. أو استعماله لاسمه مشفوعا ببيان  صفته في كل إشهار يتعلق بشركة أو مقاولة كيفما كانت.  أهليته بعد إعلان نتائج الانتخابات وبعد انصرام الاجل الذي يمكن أن ينازع خلاله في الانتخاب ، وجوده خلال مدة انتدابه في احدى حالات عدم الأهلية للانتخاب.

إذا كانت الحصانة ليست إلا امتيازا دستوريا، يتمتع به العضو البرلماني لا لشخصه أو لذاته، وإنما باعتباره ممثلا للأمة، أو باعتباره جزءا من كل هو البرلمان الممثل الحقيقي للشعب، وبمعنى أن الحصانة البرلمانية ليست ضمانا للنائب في شخصه وإنما هي ضمانا للعمل البرلماني ككل بل وضمانا لسلامة المسيرة الديموقراطية وكذا لحسن التمثيل ولجديته وضمانا للديموقراطية، رغم أنها ترتبط بعضوية النائب في البرلمان…فإن وظيفة العضو البرلماني في المغرب تخضع في جزء منها لعدة مؤثرات، مثل ضعف مستوى التكوين لدى البرلمانيين في مجالات متعددة كالقانون المالي، والدور المحدود في مجال التشريع ومراقبة أعمال  الحكومة، ثم مسألة الغياب التي تؤثر على الوظيفة التمثيلية، إضافة إلى ما تعرفه الانتخابات كظاهرة سوسيولوجية من غموض وتعقيد والتي ما تزال متأثرة  بالمفهوم التقليدي للزعامة وكل هذا يؤثر على الوظيفة التشريعية وتطور المجتمع المغربي ويجعلها محدودة، ولا تتماشى مع التحديات التي يواجهها المغرب وطنيا ودولي.

الدكتور أحمد الدرداري أستاذ السياسات العامة بجامعة عبد المالك السعدي 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى