English Français

مراكز النداء في المغرب: امتصاص للبطالة وتواصل للمعاناة

مراكز النداء في المغرب: امتصاص للبطالة وتواصل للمعاناة

عمر فيصل 

الرباط – MWNعربية

بناية راقية مكونة من عدة طوابق، تواجهك بزجاج نوافذها الأسود مما يزيد الريبة في نفسك، فتتطلع إلى معرفة ماهية هذه البناية، التي لا تبدو كمجمع تجاري أو مكان للسكن، بل هي تشير إلى أنها مؤسسة لا هوية لها، وبعد أن تدقق النظر باحثا عن اسم أو عنوان يدلل على هويتها أو نشاطها، تكتشف أسما صغيراً إلى جانب البناية كتب بحروف صغيرة يدل على انها احدى شركات النداء.

 اسم تكرر كثيرا في عالم التجارة، تحت عنوان ترحيل الخدمات أو تقديم الخدمات عن بعد، وازداد عدد مراكز الاتصال في المغرب إلى اكثرمن 200 مركز اتصال، موزعة على الصعيد الوطني، حسب ما اكدته إحصائيات الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، وإن كانت حصة الأسد توجد بمدينة الدار البيضاء والرباط بنسبة 80 %، فالباقي يوجد في مراكش، وطنجة، وتطوان، والمحمدية مع تحقيق معدل نمو سنوي لعددها بـ 11 %.

الساعة تشير الى الحادية عشر صباحا، انه موعد راحة العاملين في شركة الاتصالات، شباب في مقتبل العمر، يتحدثون اللغة الفرنسية بطلاقة، وكأنهم فرنسيون  يعيشون في المغرب.

وحال خروجهم، يتحررون من ضغط العمل، إما بتناول وجبات خفيفة أو بتدخين السجائر بشراهة، ذكورا وإناثا، كما لو أنهم مرروا  بيوم عصيب، أو يعانون من ضغط شديد في ساعات العمل.

 90  اتصالا يوميا

سلوى، (24 سنة)، من عائلة فقيرة،  حدثتنا بصوت رقيق، اعتادت اصطناع نبراته من عملها في تسويق البضائع، قالت انها  مسرورة من عملها، فهو يحقق لها دخلا ماليا جيدا بالرغم من ضغوط العمل التي تواجهها يومياً، الذي يتمثل في عدد الاتصالات التي تناهز 90 اتصال بشكل يومي، وشعورها في كل مكالمة بانها معرضة للفشل او النجاح في بيع البضاعة او عدمها، مستشهدة بمقولة شكسبير في إحدى مسرحياته ” أكون أو لا اكون” قالت ضاحكة.

ثم تغيرت نوتة صوتها، وارتجفت شفتاها، وأضافت، في كثير من الضيق:  “في كثير من الاحيان استمع إلى زبائن يرددون كلمات غزل او كلمات خارجة عن مهام الخدمة التي أوديها، مما يجعلني متوترة، وابحث في قاموسي عن كلمات مهذبة” كما توصي الشركة دائما” ارد بها على هذا الزبون الثقيل الظل.

شاب آخر، يروي قصته، كان انيقا في ملبسه، ولم يكن يستطيع اكمال جملة من دون أن يذكر فيها  كلمتين أو أكثر من الفرنسية، كريم (26 سنة) قال، “لا تعجب  حين تراني اتحدث هكذا، لكوني امضيت أكثر من سنة وأنا اعمل في (خدمة النداء) التي تتطلب مني التحدث باللغة الفرنسية كأي فرنسي، وهو شرط أساسي حتى استمر في عملي في هذه الشركة، والحقيقة أنه بعملي هذا حققت حلمي، وحصلت على راتب شهري أكون به نفسي، وما يقلقني في هذا العمل هم المراقبون الذين ينصتون إلى كل مكالمة أجريها مع الزبائن”.

وأشار، كريم، خريج مدرسة خاصة،  إلى انه لم يحصل على هذه الفرصة، إلا بعد ان اجتاز امتحان القواعد في اللغة الفرنسية عبر الحاسوب واجروا له مكاملة هاتفية مع زبون لمعرفة قدرته في التعامل معه، وبعد نجاحه في هذه الاختبارات، مر بتدريبات خاصة أجراها في مركز التكوين داخل المؤسسة، دامت لاكثر من أسبوعين.

ويتركز التدريب خلال هذه المرحلة على مساعدة الموظف الجديد على تجاوز الصعوبات التي قد تعترضه، كما تشكل المرحلة فرصة لتقييم إمكانيات الموظف.

صداع في الرأس … وحبوب مسكنة

أميمة (23سنة)، حاصلة على شهادة بكالوريا، قالت ضاحكة، هذا اسمي العربي اما اسمي الفرنسي الذي اخاطب به زبنائي فهو (Aletta) والحقيقة أن هذا الاسم قد اعتدته جدا، واصبح اسما ثانيا لي، فقائدة المجموعة، تحثنا دائما على تقبل أسمائنا الجديدة، ومناداة بعضنا البعض بها، لخلق نوع من الاستعداد النفسي والألفة مع شخصيتنا الفرنسية المختلقة، حتى استطيع التعامل مع الزبون الفرنسي كفرنسية، تحدثه من داخل فرنسا. وليس عملنا سهلا دائما، فتكرار الحديث نفسه حول البضاعة، ووضع السماعات لاكثر من تسع ساعات وتعدد الأشخاص الذين أخاطبهم، يسبب لي صداعا في آخر ساعات العمل، مما يجعلني في كثير من الأحيان أتناول مسكنات صداع الرأس.

إن هذه المؤسسات التي تأخذ دور الوسيط بين الزبون والشركات المصنعة أو شركات الخدمات قابلة للنمو والتكاثر في المغرب، مما يتطلب من الدولة المغربية ان تسن قوانين ضابطة لعملها على الارض المغربية كونها حققت خلال سنوات قليلة ربحا يفوق 6 مليارات درهم سنويا حسب ما أكدته وكالة تقنين الاتصالات، وهذا يعتبر في قوانين الاقتصاد الدولي استثمارا وطنيا سيستفيد منه الاقتصاد المغربي، وكذلك يكون موردا اقتصاديا لشريحة مهمة من الشباب المغربي لم تجد فرصتها في التعليم الجامعي العالي، وهذه المراكز لم تشترط على العاملين فيها إلا إجادة اللغة الأجنبية (الفرنسية، الاسبانية، الانجليزية)، وحسن الصوت وإتقان تقنيات البيع، ومهارة تقديم الخدمات وعرض المنتجات.                               

ولم تطلب مؤهلات جامعية عالية، وهي بالتالي  استوعبت أعدادا كبيرة من الشباب، الذين تجاوزوا مرحلة الباكلوريا،  وبالرغم من أن هذه الشركات منعت تشغيل الطلاب، الذين لا يزالون يدرسون، إلا أن هناك فئة من هؤلاء الشباب يضطرون إلى إخفاء هذه الحقيقة عن الشركة عند التقدم للعمل. 

“كيطلع فالسالير ديالو على ظهرنا”

معاد، (25 سنة)، قال “عملي هو استقبال مكالمات في اطار تقني (اعطاء الارشادات المناسبة للزبون لتصليح الاجهزة المنزلية، هاتف تلفزة …) واشتغل تسع ساعات في اليوم ، ولي استراحة دقيقة، بين كل مكالمة واخرى كما هو الحال مع جل الموظفين في المركز”.

واضاف، معاد، خريج كلية العلوم، ان ما يقلقه هو الضغط الشديد الذي يتعرض له من قائد المجموعة، هو وزملاؤه في الفريق، وذلك لرفع انتاجية المجموعة، وتحقيق أعلى ربح ممكن، ليتفوق به على باقي الفرق، “وهذا يصب في مصلحة القائد “وكيطلع فالسالير ديالو على ظهرنا وحنا ما رابحين والو” قالها بعصبية، (مرتب قائد المجموعة يفوق 20 ألف درهم).

ويشتغل في هذه المراكز أكثر من 40000 شاب وشابة، كانوا يعانون من البطالة إلى وقت قريب، وبدأوا يحققون مرتبا يتراوح بين 3000 و7000 درهم، (حسب اقدميتهم في العمل وعدد الساعات الإضافية التي يشغلونها في أيام العطل)، والنقل المجاني إلى أمكنة العمل، كما يستفيدون من العطل المقررة رسميا للبلد الذي يعملون لحسابه انطلاقا من المغرب. 

وإن تجربة شركات الاتصال عن بعد، التي بدأت منذ عام 2003 في المغرب، جعلها أول دولة أفريقية وعربية في هذا الميدان حسب بعض الاحصائيات، إذ أن المغرب يحتكر 50 في المائة من حجم مراكز الاتصال عن بعد (offshore) على الصعيد الأفريقي والعربي، وستكون في السنوات القليلة القادمة، محورا وتجربة رائدة في  شمال إفريقيا، وربما ستحذو دول مغاربية حذو المغرب في التشجيع على الاستثمار في هكذا نوع من الأعمال التجارية الوسيطة.

وعموما، فإن هذا القطاع  يضم حاليا أكثر من ثلاثين ألف شاب وشابة يحتاج إلى تنظيم قوانين تحميهم من حيث التأمين الصحي والتقاعد والضمان الاجتماعي، وتنظيم هياكل نقابية للدفاع عن حقوقهم، وتسهيل أدائهم لخدماتهم، وتطويرا لقدراتهم في الأداء المربح للشركات، التي يعملون فيها، مما سيشجع استقطاب شركات أخرى أجنبية للعمل والاستثمار في المغرب للحد من ظاهرة البطالة المستشرية في أوساط الشباب المغربي وبناء اقتصاد وطني مزدهر. 

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى