حقوق الانسان في المغرب: بين العالمية والخصوصية

حقوق الانسان في المغرب: بين العالمية والخصوصية

أحمد الدرداري

طنجة – MWNعربية

ارتبط مفهوم الحق بأهلية الشخص لشيء ما، كالإرث والحياة والتصويت والرأي والتجول…إلخ. كما يرتبط بالقانون لينتظم ويخرج من أنانية الانسان. وتنتظم بذلك المصالح والعلاقات المتقابلة ويتحقق النظام العام وتحارب الفوضى.

والعدالة كهدف مطالبة بضمان الحق وفق القانون ومعاقبة من يعتدي على حقوق الغير. الضرورية منها، بل حتى الحاجيات لتمتين الأخلاق العامة بين الناس. والتحسينات منها لتحقيق مكارم الأخلاق.

والحق له علاقة بالحرية بحيث أن الحق في القانون الخاص محدد من حيث الوسائل والأهداف، وكل خروج يعد تعسفا أما الحرية فهي تشبه الطريق العام لكونها تعتمد على المبادئ العامة والقدرة وحسن التصرف.

والحرية في إطار فلسفة الحق الطبيعي، هي نقيض القمع ويتم البحث دائما في الصراع بين السلطة والحرية لدراسة وقياس علاقة القانون بالحق، أي داخل مساحة الحريات العامة والخاصة. كحق الملكية الذي يعتبر مقدسا وضروريا للحياة والمنافسة ولا يمكن التنازل عنه لأنه ضروري للإنسان والمجتمع والدولة.

والسلطة تأخذ معنى أوسع وأشمل وتأخذ صورا بحسب نوع  الديموقراطية، أو الحكم المطلق أو الالهي… .

فما هو الإطار المرجعي لحقوق الإنسان؟

إن المعتقدات الدينية لاسيما السماوية تذهب إلى أن الله هو الذي يسن الحق والواجب ويضع ضوابط العلاقات سواء بين الشخص وذاته أو مع غيره أو تجاه المجتمع والسلطة الطبيعية، فيضع الأوامر والنواهي وتتفق كل الديانات على أن كرامة الانسان والحفاظ على آدميته هي محور الحقوق ومبدأها ومنتهاها. ومنها العدالة والحرية والحق والمساواة والاخاء وكذا التضامن… .

أما الأسس والمرجعيات النظرية فكلها تتفق حول حقيقة وثبوت حق الانسان رغم اختلاف مصدرها. كفلسفة الحق الطبيعي، وفلسفة القانون الوضعي التي بدأت بإعلانات الحقوق ما بعد الثورات ثم دسترة الحقوق والحريات ما بعد الاعلانات وبعدها الاعلانات والمواثيق الدولية للقران العشرين، ثم القوانين الأساسية للحقوق والحريات.

وبالنسبة لأنواع حقوق الانسان، فنجد حقوق تقليدية وتتمثل في الحقوق السياسية والمدنية كحق الانتماء السياسي وحق المشاركة والاختيار وحق إبداء الرأي بحرية، والمعتقد السياسي والديني والفكري  والتعبير داخل فضاء التعليم، والحق في التعبير عن الرأي بواسطة الاعلام والصحافة التي تنوعت مع تنوع سيرورات تطورمفهوم الحق في الدولة، والحق في الحياة الخاصة التي بين تتفرع إلى  حرية فردية وشخصية، بالإضافة إلى حقوق الشعوب المتمثلة في حق تقرير المصير بقرار الأمم المتحدة رقم 637 في 6 دجنبر 1952. ثم قرار 1514 لسنة 1960 وحق الشعوب في السلم والأمان وبعدها نجد الحقوق المدنية كالحق في العائلة والزواج والترابط بين الأهالي، والحق في السكن والحق في اختيار المنزل بحرية، والحق في الحماية والأمن الشخصي ومنع التوقيف التعسفي … والحق في محاكمة عادلة ثم شرعية الجرائم والعقوبات والطعن في الأحكام وحقوق السجين…

ومن جهة أخرى نجد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحقوق وضعية منتظمة كالحق في الملكية والتصرف في الممتلكات والحق في المبادرة الخاصة والحق في العمل والحقوق المرتبطة به.

أما الحقوق الاجتماعية كالحق في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية وحقوق المهاجرين والمسنين واليتامى والأرامل… وهناك اتفاقية دولية تتعلق بالحد الأدنى للحماية الاجتماعية رقم 102 لسنة 1950. الصادرة عن منظمة العمل الدولية.

وبالنسبة للحقوق الثقافية، فتتعلق بالحق في الهوية الثقافية والحق في المشاركة الثقافية والحق في التربية والتعليم والتثقيف، والحق في التعبير الثقافي والحق في الاختلاف والتنوع. كما أن الوقت الراهن يعرف حقوقا حديثة مثل حقوق الفئات الهشة، وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق المعاقين، والحق في التنمية البشرية المستدامة والحق في بيئة سليمة ونظيفة. والحق في المشاركة والحق في المعلومة.

وقد عرفت حقوق الانسان تطورات عبر مراحل بدءا بإعلان 1789 بفرنسا الشهير، وما تعرضت لها من انتقادات من طرف التقليديين لكونها تعكس الأنانية الفردية لدى الانسان وفصله عن المجتمع والدولة وأنها تخص الأغنياء دون الفقراء، وكذلك الماركسيون انتقدوا هذه الحقوق لكنها لا تسمح للفرد أن يعيش كما يريد هو، والشموليون الذين يعتقدون بسمو جنس معين ( كالنازية مثلا)، وأيضا نجد التشاؤم اللبيرالي حيث في بداية القرن العشرين تضاعفت الانتقادات سبب ثورات مضادة وانقلابات في مفاهيم حقوق الانسان في أوربا وآسيا أعطت الحرب العالمية الأولى والثانية.

أما أجيال حقوق الانسان، فقد تطورت بدءا بالجيل الأول الذي بدأ منذ نهاية القرن 18 حتى 1948سنة، والجيل الثاني امتد من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى 1980 والجيل الثالث بدأ من سنة 1980 إلى اليوم. حيث تطورت هذه الحقوق عبر تقنينها دستوريا وتوسيعها.

كما أن التطور أخذ صورة كونية عن طريق المواثيق والمعاهدات والقرارات الدولية… ولهذه الكونية حدود فرضتها الدلالات والأسس المرجعية عبر نقاشات مستمرة كنقاشات فيينا 1993 على هامش المؤتمر العالمي لحقوق الانسان، وهو ما يعكس الصراعات حول المدارات الثقافية والسياسية لمسألة الخصوصية.

فماهي أسس وآليات حقوق الانسان في المغرب؟

بالاعتماد على مصادر حقوق الانسان بالمغرب يمكن الرجوع إلى النص الديني في جوانب عديدة بالإضافة إلى مشاريع الدساتير التي عرفها المغرب ومنها حقوق الانسان، كمشروع دستور 1900 ثم مشروع دستور 1908 ثم اتفاقية 1909 و 1911، وبداية التشريع الاستعماري 30 مارس 1912. ثم الخطاب الموجه للأمة عند تشكيل حكومة أحمد بلافريج في 8 ماي 1958… حيث حدد العهد الملكي الاطار العام الذي يجب أن تمارس داخله حقوق الانسان بالمغرب، ثم صدر ظهير 15 نونبر 1058 الخاص بالحريات العامة حيث بدأت العمليات الممهدة لتدوين الحقوق. وتأتي بعد ذلك دسترة الحقوق والحريات بالمغرب  بدءا من دستور 1962 ودستور 1970 ودستور 1971 ودستور 1892 ودستور 1996 ثم دستور 2011.

وفيما يتعلق بالبناء الدستوري والقانوني لحقوق الانسان بالمغرب هناك حقوق سياسية ومدنية في المغرب، ويتعلق الأمر بالحريات الشخصية والفكرية والسياسية بصفته آدميا.

أما فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتتمثل في الحق في الملكية والمبادرة الخاصة، والمقاولة هي حقوق يضمنها الدستور، بالإضافة إلى  الحق في التعليم والحق في الشغل، المرتبط بالحق في الاضراب، والحقوق المرتبطة بالعمل.

وبالنسبة للحقوق الثقافية واللغوية، وبحكم أن المغرب يعرف تعددية ثقافية في مختلف تعابيرها وغناه بالفنون والآداب والعلوم والتراث التاريخي والشعبي والبحث العلمي، فإن الدستور يضمن الحقوق اللغوية والثقافية وحدد الهوية الثقافية الوطنية العربية والأمازيغية والغنية بروافدها المتعددة بشكل صريح في دستور 2011.

ولحقوق الانسان في المغرب مؤسسات وآليات لحمايتها، منها إلزامية حقوق الانسان دوليا ووطنيا… مما جعل المغرب يندرج في عولمة هذه الحقوق من خلال المصادقة على الاتفاقيات الدولية المختلفة والمتعلقة بحقوق الانسان، كمصادقته على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 2005. والاتفاقية الدولية المتعلقة بإبطال تجارة الرقيق بباريس 4 ماي 2910 المصادق عليها 1949، والمعدلة بتاربخ 7 نونبر عام 1956.

ـ اتفاقية حضر التمييز العنصري 1973.

ـ اتفاقية الرق 1926 واتفاقيات كثيرة تنتهي بمعاهدات جنيف في مجال القانون الدولي الانساني 12 غشت 1949.

 وهناك اتفاقيات دولية صادق عليها بتحفظ ومنها:

ـ اتفاقية منع الابادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها  1948 والمصادقة عليها 24/ 01/ 1951.

ـ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية 1948ى والمصادقة عليها 21 نونبر 1993.

ـ اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 والمصادقة عليها 21 نونبر 1996.

ـ اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة لسنة 1952 وصودق عليها في 22 نونبر 1976.

ـ الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965.

ـ اتفاقية القضاء على جميع أشكال اتمييز ضد المرأة لسنة 1979 وصودق عليها 21 نونبر 1993.

ـ البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ـ البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ـ البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة …إلخ.

ولاتخاذ التدابير الملائمة لحقوق الانسان، فإن المغرب عمل على مراجعات تشريعية لتقريبها من الاتفاقيات والمواثيق الدولية وإضفاء عليها نوع من الليونة، ومن جهة أخرى فإن المغرب اتخذ إجراءات قضائية لحماية الحقوق والحريات الأساسية من أي تعسف عن طريق تكريس مبدأ دولة القانون، وإضفاء الطابع السامي على الدستور، والعمل بمبدأ مراقبة دستورية القوانين في إطار مبدأ الدستورية والرهان على المحكمة الدستورية المنصوص عليها في الباب الثامن من الدستور، حيث لأول مرة نص الدستور على الرقابة عن طريق الدفع كإحدى الطرق أو أنواع الرقابة الدستورية بالإضافة إلى الرقابة الأخرى المتضمنة في الفصل 132 من الدستور الحالي ويتعلق الأمر بالرقابة العادية.

والتمييز بين الحقوق داخل المنظومة لا ينفي الحماية، سواء تعلق الأمر بالحقوق الأساسية وذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي أو في مجال الحقوق الفردية والشخصية لكن يبقى مرتبط بتعليل القرارات الادارية والأحكام والأوامر القضائية ضمانا للحقوق وتجنبا لكل خرق أو شطط أو ظلم. وللمؤسسات أو السلطات المستقلة دور مهم في ضمان وحماية التنوع والتعدد بشكل عادل ومنصف وهو نوع جديد من الهيئات. كالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ومحلس المنافسة…إلخ.

كما  نجد المؤسسات الرسمية وغير الرسمية هي بمثابة آليات لاحترام حقوق الانسان بالمغرب مثل المجلس الاستشاري لحقوق الانسان الذي تحول إلى مجلس وطني لحقوق الانسان. حيث أحدث الأول بظهير 12/ 1990، وتمت مراجعة هيكلته في 10 أبريل 2001. بينما المحلس الوطني لحقوق الانسان فأحدث بموجب ظهير 19 ـ 11 ـ 1 في فاتح مارس 2011.

ونجد أيضا ديوان المظالم الذي تحول إلى مؤسسة الوسيط، حيث تأسس الأول بمقتضى ظهير 2001 والثاني بموجب ظهير 17 مارس2011. وتم دسترة مؤسسة الوسيط بالإضافة إلى دسترة هيئات حماية حقوق بعض الفئات. كمجلس الجالية المغربية بالخارج، وهيئة الانصاف والمناصفة، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. وتم أيضا دسترة الهيئات الاستشارية الجديدة كالهيئة العليا للتربية والتكوين والبحث العلمي والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

 أما المؤسسات الغير الرسمية وتتمثل في مختلف الجمعيات وفروع الجمعيات والمنظمات الدولية التي تتدخل لحماية حقوق الانسان ونشر ثقافة حقوق الانسان كالمنظمة المغربية  لحقوق الانسان المؤسسة سنة 1988، ولجنة الدفاع عن حقوق الانسان والجمعية المغربية لحقوق الانسان ومنظمة الهلال المغربي ومنظمة العفو الدولية والمنتدى المغربي للحقيقة والانصاف بالإضافة إلى جمعيات المرأة ـ الطفل ـ المعاق ـ المستهلك. وغير المتخصصة كمركز حقوق الانسان والمركز المغربي لحقوق الانسان والرابطة المغربية لحقوق الانسان. وعائلات المختفين ومحتجزي تيندوف وضحايا الغازات السامة بالريف، وترنسبرنسي المغرب، وجمعيات التنمية المحلية والبيئية ومحاربة الأمية  والفقر والتهميش والنهوض بالثقافة الأمازيغية.

أما بالنسبة لحقوق الانسان في ظل الدستور المغربي لسنة 2011 فيمكن القول بأن تصدير الدستور أو الديباجة.  مقارنة بالدساتير الدولية تبقى ضعيفة، لكن المغرب اعتبرها جزء لا يتجزأ من الدستور وبالتالي فإن هذا الأخير كرس قيمتها الدستورية، كما أقر بعض الحقوق المنصوص عليها في الدساتير السابقة وأضاف حقوقا جديدة وأعطاها الضمانات اللازمة، وعليه فإن هذه الحقوق يمكن تقسيمها إلى حقوق تقليدية وحقوق فئوية، ثم الحريات العامة لكون الدستور الجديد يطلق عليه اسم صك الحقوق، وأيضا يسمى بدستور التمكين ونص على مجموعة من الحقوق بمثابة ديون للمواطن لدى الدولة كحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وذلك لكون الدستور هو الإطار المرجعي للتحكم في تثبيت الحقوق والحريات وما لم ينص عليه في الدستور من حقوق لا يدخل في إطار الاهتمام الرسمي للدولة والدستور يبقى التعبير الرسمي عن سيادة الشعب المباشرة .

هذا وتعتبر حقوق الانسان محور دستوري تقتضي احترامها والحفاظ عليها دستوريا ومؤسساتيا وترجمتها من خلال الواقع عبر السلوكات الرسمية للدولة تحت مراقبة المؤسسات الخاصة ومن أهمها مؤسسة القضاء  بمختلف أنواعه ذلك أن القرارات والأوامر والأحكام القضائية تبقى رهينة التعليل والتوضيح تجنبا لكل تعسف أو انتهاك أو تسلط لكن الواقع والتجربة تبقى هي المحك والحكم على مدى تفعيل الالتزامات باعتبار الدستور هو التزام سياسي وقانوني بين الدولة والشعب (حاكمين ومحكومين)لاسيما والمغرب يعرف اليوم نشاطا متزايدا نظرا لتنامي الوعي الحقوقي لدى فئات واسعة من المواطنين وإسرار هيئات المجتمع المدني على المراقبة والمشاركة في التأطير الحقوقي النوعي من أجل تحسين وتطوير مكانة المواطن في علاقته بالإدارة والدولة، وإبراز الدور  الموكول إليه دستوريا وتثبيت مبدأ دولة حقوق الانسان بتنزيل مضامين صك الحقوق لمعرفة مكامن النقص.

الدكتوراحمد الدرداري متخصص في الحياة السياسية

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى