English Français

مراكز الاتصال بالمغرب.. مصاصو دماء المقهورين من الشباب

مراكز الاتصال بالمغرب.. مصاصو دماء المقهورين من الشباب

محمد معاذ شهبان

مراكش- MWN عربية

 أن تمرَّ بتجربة، كيفما كانت، خيرٌ من أن تبقى حبيس طموحات بعيدة المدى وانتظار لا تدري هل سيطول أم يكون قصيراً. أن تمر بتجربة عمل وإن كانت مُرَّة ومليئة بالمعاناة والتحديات أفضل بكثير من أن تسمع عنها، إذ أنَّ لذة الحياة تكمن في تجاوز التجربة بعد التجربة والانتكاسة بعد الانتكاسة الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ويأتيَ بفرج من عنده.

 “الخدمة ماشي عيب” ذلك هو الشعار الذي سمعه أغلبنا من والدينا ومن لهم خبرة في الحياة ومتاعبها، وهم مُحقون وصادقون، إذ أن لا عيب في العمل في أي مهنة تكسبُك دراهم حلال وتحترم انسانيتك وحدود مجهوداتك، لكن العيب في أن تتحول نعمة العمل الى نقمة يصعب معها الاستمرار في وظيفة محددة وذلك لأن الإنسان وُلدَ حراّ كريماً ومن البديهي أن يطالب بعمل يحترم حريته ويصون كرامته ولا يمس ثقافته.

 كأي شاب وشابة، دفعتني متطلبات الحياة الجامعية اليومية الى البحث عن عمل بدوام جزئي بغية التوفيق بين عماد حياتي الدراسة وبين العمل، فتقدمت  في شهر يونيو من صيف 2008 بطلب عمل في مطعم الوجبات السريعة العالمي ماكدونالدز، ما شجعني آنذاك هو اشتغال عدد من أصدقاء الجامعة من مسلك الدراسات الانجليزية إضافة الى صديقة أخرى بالمطعم المذكور. لتبدأ أولى تجاربي، التي كانت صعبة للغاية، في ميدان الشغل الذي أظهر لي أنَ للحياة وجهاً آخر غير ذاك الذي عهدته أيام صباي ومراهقتي.

 شغلتني دراستي الجامعية بعد ذلك وشغلتني معها ظروف عائلية أخرى حالت دون التفكير في مكسب رزق أو عمل آخر.

في خريف 2009، أخبرني صديقي المقرب وزميلي في الجامعة أن هناك مركز اتصال فرنسي « Centre d’appel » بحي كيليز الراقي بمراكش بحاجة لكفاءات شابة جديدة تتحدث الفرنسية بطلاقة، ما شجعني على التقدم لهذا العمل هو قوله أنهم لا يشترطون الخبرة وأن أجرهم الشهري يبتدئ ب 3500 درهم إضافة الى التأمين والنقل ومكافآت شهرية.

Screenshot_mo

 تقدمنا أنا وزميلي وزميلة أخرى لمركز الاتصال وقد أغرانا مظهره الخارجي وسط شارع معروف بمراكش، وتم قبولنا بعد اجراء اختبارات كتابية وأخرى شفوية من قِبل مدير قسم التوظيف الذي كان فرنسي الجنسية “معكرط” و “داير القرون” كما هو طبع المستعمر القديم. قوانين مركز الاتصال كانت تنص على تدريب لمدة شهر قبل توقيع عقد العمل والحصول على الراتب الشهري، كما أن نفس القوانين كانت قاسية مع المتدربين الجدد إذ حددت 8 ساعات يومياً تتخللها أعمال متعددة وفترات استراحة لا تتعدى عشر دقائق.

 ورغم كرهي الشديد لكل ما هو فرنسي من لغة وأفكار، خصوصاً الصورة النمطية الفرنسية عن المغرب، فقد تحملت الأيام الأولى من التدريب بمشقة وعناء بالِغَيْن، كنا نحضر تفاصيل عمل مركز الاتصال التي تتلخص في استقبال مكالمة أو الاتصال بأحد الزبناء بفرنسا لمساعدته فيما يسأل عنه من محلات وعناوين مختلفة، وكانت تعليمات مسيري مركز الاتصال أن يتم إيهام الزبون بأن المركز في فرنسا بباريس، كما كانت نفس التعليمات تحث على انتحال اسم فرنسي “نصراني” ك  « Jean Michel » أو « Patrick » وكان الكل ملزماً في نقطٍ حددها مركز الاتصال المذكور أن يتم اخبار الزيون في كل مكالمة بجملة «  Nous sommes près de chez vous » بما معناه مركزنا قريب منكم وفي بلدكم. وهي النقاط التي اعتبرتها شخصياً احتيالاً ونصباً.

 المفاجأة الكبرى التي عجلت بانسحابنا نحن الثلاثة من هذه التجربة كانت عندما كنا نتبادل أطراف الحديث مع شاب يشتغل بمركز الاتصال المذكور، حاصل على عدة شهادات من مدارس ومعاهد خاصة، وأمضى في مركز الاتصال المذكور سنة كاملة، فقد أخبرنا أن الأجر ليس هو 3500 درهم كما جاء في الاعلان وكما أخبرنا مدير التوظيف، بل 2000 درهم شهرياً قابلة لبعض الزيادات إن أبان المستخدم بمركز الاتصال عن مجهود كبير وحرفية، ليضيف أن ما يجنيه مركز الاتصال عن الفرد الواحد المستخدم لديه بالمغرب يفوق 8000 درهم شهرياً وهو ما تبين لي من بعد من خلال مقال تفصيلي نشرته مجلة فرنسية متخصصة في الاقتصاد.

 كما أن 8 ساعات والعطل الأسبوعية والمكافآت الشهرية المحددة على الورق ما هي إلا واجهة لاستقطاب الشباب الفاقد للأمل والمستسلم لقدره بين يدي المستعمِر القديم الجديد الذي استغل حاجة الشابات والشباب للعمل وأصرَّ على مواصلة استغلالهم من خلال مراكز الاتصال المنتشرة بمدن المغرب الكبيرة التي تُدِرُّ أرباحاً طائلة على الاقتصاد الفرنسي ولا تنفع الاقتصاد المغربي بفائدة تذكر، خلافاً لما يوهمنا بعض مسئولي القطاع الخاص والمقاولات في بلدنا.

 وإذا قمنا بمقارنة بسيطة بين مراكز الاتصال الفرنسية الموجودة بالمغرب ونظيرتها بفرنسا ودول أوروبية أخرى نجد أن ساعات العمل بالمغرب هي 8 ساعات متواصلة من السادسة والنصف صباحا إلى الساعة الرابعة عصراً أو من الساعة السابعة صباحاً إلى الخامسة مساءاً خلال توقيت الشتاء بأوروبا، وكثير من الشباب يعملون في توقيت متأخر من الليل. بينما لا يعمل مستخدمو مراكز الاتصال في أوروبا سوى بدوام جزئي، أي حوالي 4 ساعات ويتقاضون ما يعادل 7000 درهم، وهو ما يعتبر حقاً استغلالاً بشعاً لحاجة الشباب للعمل وانتهاكاً لحقوق العمال.

 هذا دون الحديث عن المضاعفات الصحية التي يسببها العمل في مراكز الاتصال من إجهاد للعينين وتأثير على السمع وآلام الظهر التي شهدنا غالبية المستخدمين بالمركز المذكور يعانون منها، بالإضافة الى عدم تناول الوجبات الغذائية في وقتها والاضطراب النفسي .

 إن ثغرات قانون الشغل في المغرب سمحت ولا زالت تسمح للمستثمرين الفرنسيين في قطاع مراكز الاتصال، مصاصي دماء الشابات والشباب المغاربة والذين يستفيدون من السنوات الخمس الأولى المعفاة من الضريبة بنسبة 100% ومن السنوات الخمس التالية المعفاة بنسبة 50%. ولا يعطون بالمقابل للمستخدمين المغاربة لا ضمانات ولا أجور تناسب مجهوداتهم اليومية المتواصلة، في ظل نظام عقدة العمل التي تهم سنة على الأكثر في أغلب الأحيان.

مراكز الاتصال لا تحترم الهوية الثقافية والدينية للمستخدمين المغاربة من خلال ما ذُكر من قبل من انتحال لأسماء نصرانية وعدم وجود ولو قاعة صغيرة للصلاة وعدم الترخيص في معظم الأحيان لأداء الصلاة في وقتها وكأنك بدخولك مركز اتصال تلِج الأراضي الفرنسية رغم أنك في بلدك وأنت من له الحق أن يفرض مايناسبه وأن يرفض ما يعارض مبادئه.

 هي إذن مراكز استغلال لليد العاملة المغربية الشابة الطموحة، وإن كان البعض يقول “هادشي اللي عطا الله” إلا أن الكريم الحق عز وجل لا يرضى بظلم عباده وأكْلِ عرق جبينهم بالباطل واستغلالهم. إنها خسارة وضياع للصحة واستهتار بالعقل وانتهاك للمبادئ، كل هذا مقابل 3500 درهم شهريا… “لْهلا يْحوز ولادنا واخواننا على البْرَّاني”.

تابعوا محمد معاذ شهبان على الفايسبوك.

اكتب تعليق

تعليقات (1)

  • avatar

    lblad

    cher Monsieur, tu es entrain de comparer les 3500dh qui gagne un travailleur Marocain avec les 7000dh (700 euros) pourquoi tu ne compare pas les frais du transport publique par exemple, entre 4dh (0,30 euros) le prix du billet d’autobus au maroc et le prix du transport publique en europe, le billet le moins cher en europe. est de 1,30 euros (13 dh) sans parler du niveau de vie ici (watta 7med lah lli la9i khedma…)

    رد

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى