رمضان شهر النفاق و الرياء

رمضان شهر النفاق و الرياء

محمد أيت مسعود

الدار البيضاء- MWN عربية

حل شهر رمضان من جديد على الأمة الإسلامية. وفي كل مرة يحل فيها تكون الظروف أكثر قساوة وصعوبة من المرة التي قبلها. وغير بعيد عن المغرب، فرمضان هذه السنة قد حل في ظروف اقتصادية صعبة لا تقل عن نظيرتها السياسية التي تعيش مخاضا عسيرا لم يسفر لحد الآن عن أي مولود. ليس هذا ما يهمنا في هذا المقال، لكن المهم هو الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المواطن البسيط الذي لا يهتم لا بالسياسة ولا بالأزمة الاقتصادية، بل همه الوحيد هو القوت اليومي وأداء الشريعة والتمتع بالحياة.

إن شهر رمضان مدة قصيرة وعابرة، لكنها كافية لمن يهمه الأمر للملاحظة وتدوين الاختلالات النفسية، والاختلافات الفكرية، والتناقضات الثقافية التي نعيشها في مجتمعنا وذلك من أجل تحليلها ودراستها فيما تبقى من أيام السنة.

ويقسم شهر رمضان المجتمع المغربي إلى فرقاء:
فمن الناس من يركض نحو الصلاة والتسبيح وفعل الخير. ومنهم من يسعى إلى الربح المادي وانتهاز الفرص، ومنهم من يهدف إلى الراحة والمتعة. وإذا ما أمعناّ النظر في هذه الأهداف، فقد نجد على أنها أهداف مقبولة ومشروعة ومتاحة. إلا أن الأمر غير المقبول في كل هذه المساعي كلها، سيطرة النفاق والرياء والنية السيئة على أغلبها، وسنعمل على توضيح ذلك أكثر. ليس بمقدور أحد من المسلمين أن ينكر أن شهر رمضان هو شهر العبادة وقراءة القرآن، و توطيد العلاقة بالخالق. وهذا مايظهر بالتأكيد على المغاربة في هذه المناسبة الدينية العظيمة. وعلى عكس باقي أيام السنة، تمتلئ المساجد عن آخرها بالمصلين، وتتصاعد أصوات المقرئين في كل مكان.

لكن الأمر الذي يحز في النفس هو أن أغلب المصلين ليسوا سوى “عبادين الحريرة” كما هو متداول بين عامة الناس. أي ليسوا سوى مصلين موسميين، تتراوح مدة صلاتهم مابين الأسبوع الأخير من شعبان واليوم الثامن والعشرين من رمضان. أما تنافسهم حول الصلاة خلف أئمة معروفين نشوة لحظة يفسدها التفاخر والرياء فيما بعد. فتجد الشاب يحكي لصديقه عن أجواء الصلاة خلف الإمام الفلاني في المسجد كذا وكذا، مع العلم أن المسجد مستقر في مكانه والإمام قار فيه طيلة السنة. كما تجد المرأة بدورها ترائي صديقاتها بقيامها لليل ومرات الإستغفار والتسبيح التي رددتها. مما يبرز أن العبادة في رمضان أصبحت مجرد عادة وتقليد لدى معظم المغاربة، وهم بذلك بعيدون كل البعد عن الإيمان واحتساب الأجر لله.

وفي مجال آخر، نجد بعض الجمعيات ( الموسمية)، أو بعض رجال الأعمال يتسابقون نحو إعداد موائد الإفطار واستقطاب أكبر عدد من المستفيدين، ودعم الفقراء منهم لمدة شهر كامل. إنه لعمل إنساني كريم. لكن مايجب معرفته هو أن الفقراء لا يحتاجون لقفة رمضان فقط، بل يحتاجون إلى دعم طيلة السنة. يحتاجون إلى منظمات وجمعيات حقيقية تضمن لهم مشاريع مدرة للدخل، وتوفر لأبنائهم تكويناً تربوياً وثقافياً مفيداً. وليسوا بحاجة إلى من يستغل فاقتهم لأخذ دعم مالي، أو تخفيض ضريبي من مؤسسات تؤمن فقط بالصور والأوراق وإن كانت مفبركة ولا تهتم أبدا بالنيات والغايات الانسانية الحقة.

وبعيدا عن العبادة والعمل الخيري، فشهر رمضان فرصة لا تعوض للعاطلين من أجل كسب بعض المال، وفرصة كبرى أيضا للترويج التجاري. حيث تمتلئ زوايا أزقة وشوارع المدن المغربية بعربات الخضر والفواكه والعصير المستورد ومحلات بيع الحلوى والنساء اللاتي يبعن الفطائر. كلها أساليب جيدة بإمكانها تحريك العجلة الاقتصادية للأسر ولو بشكل مؤقت. لكن لايجب أن ننسى أنه بالتوازي مع ذلك، فإن رمضان موسم ترتفع فيه نسب النصب والاحتيال على المواطن. ويكفي أن نتتبع نشرات الأخبار ونقرأ الجرائد لنعرف مدى خطورة الأمر، وخصوصا، إن تعلق الأمر بالمواد الغذائية الفاسدة. ولن نقول على أن الدولة وحدها من يتحمل المسؤولية، بقدر ما يجب أن نقول على أنها نتيجة لانعدام روح المسؤولية، وانعدام الوازع الديني، الذي يتراءى للناس حضوره في هذا الشهر، لدى الجميع.

ومن جانب آخر، قد نرى أن شركات اقتصادية كبرى بدورها تدخل غمار المنافسة الاقتصادية من قبيل شركات القروض. حيث تتحين هذه المؤسسات فرصة رمضان لتقديم عروض سلف بنسب مبهمة للأسر المتوسطة قصد توفير قدرةشرائية لهم لتغطية مصاريف هذا الشهر. والعجيب في الأمر أن هذه القروض تلقى إقبالا كبيرا رغم أن الربا حرام في الإسلام. وشهر رمضان مناسبة للكف عن المحظور والتوبة منه والتعود على العفاف والقناعة. ومن هنا نستنتج أن المغاربة يعيشون تناقضاً كبيراً فيما يخص دينهم رغم أنهم يدّعون تشبثهم به.
وفي سياق آخر، فإن بعض المغاربة يجدون رمضان شهرا للعطلة والمتعة. فنهارهم للنوم ومساؤهم لتدخين ما لذ وطاب من السجائر والمخدرات، ومصاحبة الفتيات اللاتي يجعلن من رمضان فترة مميزة لإبراز مفاتنهن وجمالهن بألبسة لا يرتدينها بل مطبوعة على أجسادهن فقط. بل أكثر من ذلك، فبالنسبة لبعض الفتيات، وعلى غير العادة، فرمضان فرصة للتمتع بالحرية أكثر. حيث لا يكون دخولهن في منتصف الليل إلى البيت عيبا أو تنقيصا من رجولة ولي الأمر أو الإخوان. بل إنهن يجعلن من رمضان شهر عسل سرعان ما ينسل منه العريس يوم العيد.

وعموما، فإننا لا نسعى من خلال كلامنا هذا إلى الضرب في قيمنا الدينية ،أو في ذوي النيات الحسنة، بل نسعى إلى تسليط الضوء على النفاق الديني والاجتماعي الذي نتخبط فيه وبالخصوص في شهر رمضان. وقد ولّد لنا هذا النفاق جماعات شبابية ثائرة في وجه الدين وصيام مضان، لكن يمكن اعتبارها إيجابية انطلاقا من جزمها على الإلحاد عن الإسلام. وهو أمر أفضل من العيش وسط إلحاد ضمني يتحول إلى نفاق ينخر جسد مجتمع مناعته ضعيفة.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى