الصحراء والأسباب التاريخية لسوء التفاهم بين المغرب وإسبانيا

الصحراء والأسباب التاريخية لسوء التفاهم بين المغرب وإسبانيا

سمير بنيس

ترجمة ليلي بنيس  

نيويورك- MWN  عربية

أثار الوثائقي المتعلق بقضية الصحراء، الذي أنتجه الممثل الإسباني الحائز على الأوسكار خافيير باردم, ضجة كبيرة وسط المغاربة بعد عرضه نهاية الخريف الماضي. فقد تحول الممثل الإسباني بين عشية وضحاها إلى واحد من أشد المؤيدين لجبهة البوليزاريو مقدما في غالب الأحيان قراءة سطحية للنزاع. وقد انضم باردم بإدانته الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المرتكبة ضد الساكنة الصحراوية إلى حشد الفنانين والمثقفين والمعلقين الإسبان الذين لا يذخرون جهدا في دعم البوليزاريو و التشهير بالمغرب.

وفي حين يستغل عدد من المراقبين الإسبان ككارلوس رويز وأنا كماتشو ما يقال عن غياب الديموقراطية والحريات الأساسية في المغرب للتشكيك في شرعية وجوده  في الصحراء ومصداقيةِ خطة الحكم الذاتي التي يقترحها، لا يشكك هؤلاء المتاجرون بحقوق الإنسان والحق في تقرير المصير أبدا في السياسات التي يتبعها البوليزاريو في مخيمات تيندوف وتعسفه إزاء معارضيه واختلاسهِ المساعدات الإنسانية الموجهة لساكنة المخيمات.

وقد لاحظتُ أثناء المؤتمر الذي عقدته بخصوص قضية الصحراء خلال آخر رحلة لي للمغرب أواخر دجنبر-أوائل يناير، أن قلة قليلة من المغاربة مدركة للأسباب الكامنة وراء التضامن الكبير الإسبان مع الصحراويين، والعدد الكبير من الأصوات التي ترتفع يوميا لتذكير المسؤولين الإسبان بالتزامهم الأخلاقي تجاههم وبواجبهم في الضغط على المغرب لجعله يحترم القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، لا تدين سوى قلة من المختصين التركة الاستعمارية التي خلفها الإسبان في شمال المغرب والعواقب الوخيمة لاستعمال الجيش الإسباني للغازات السامة المحظورة في منطقة الريف عقب هزيمته في معركة أنوال في الرابع عشر من يوليوز 1921.

وكما أشار لذلك العديد من المثقفين الإسبان والأجانب كماريا روزا دي مادارياغت وسباستيان بالفور، فإن المسؤولين الإسبان، باستعمالهم الغاز ضد ساكنة الريف، خرقوا التزاماتهم الدولية التي تحظر استعمال الأسلحة الكيماوية وخلفوا عواقب وخيمة لا تزال ساكنة الريف تعاني منها، حيث أن هذه المنطقة تعرف أعلى معدلات الإصابة  بالسرطان، وذلك جراء احتواء غاز الخردل الذي استعمله الجيش الإسباني ضد السكان العزل على مواد تسبب طفرات جينية  دائمة مما أدى إلى انتقال السرطان من جيل إلى آخر.

وبما أن هناك ما يزيد عن 200 جمعية تقدم الدعم للساكنة الصحراوية بتندوف وأن آلاف العائلات الإسبانية تستضيف كل صيف أزيد من 10000 طفل صحراوي، فإن المغاربة يودون أن يستفيذ المنحدرون من ضحايا استعمال الغاز في الريف من نفس روح التضامن هذه. و يتمنى المغاربة أيضا لو كان هناك نفس العدد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الإسبانية التي تطالب برد الاعتبار لضحايا هذه الحرب وتمارس الضغوط على السياسيين الإسبان لجعلهم يعربون باسم مواطنيهم عن مسؤوليتهم عن هذه الأحداث الأليمة. ويعتبر المغاربة الدعم الذي يقدمه الرأي العام الإسباني لكيان مصنع دوليا إشارة واضحة على أن الإسبان لم ينجحوا في تغيير نظرتهم السالبة والمعادية للمغرب وأن لا رغبة حقيقية لهم في بناء مستقبل مشترك يطبعه الاحترام المتبادل ونبذ الخلافات بين الشعبين.

كيف يمكن تفسير عدم تضامن الشعب الإسباني مع الموقف المغربي وإصرارِ المثقفين الإسبان على النظر إلى المغرب على أنه البلد الوحيد القادر على زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي لبلدهم؟ وفيما يتعلق بالكتاب الذين يستغلون أي موقف متعلق بإسبانيا يصدر عن المسؤولين المغاربة لتحذير قرائهم من غدر هؤلاء، هل يبنون أحكامهم هذه على حقائق موثوقة تشهد بصدقية كلامهم؟ أم أن تصرفهم هذا ليس سوى  دليل على عدم قدرة الإسبان على التخلص من حقدهم المتجدر وتوجسهم من جيرانهم الجنوبيين “المزعجين”؟

للإجابة على هذه الأسئلة إجابة مبنية على الحجج ينبغي دراسة الصورة التي تقدمها المناهج الدراسية الإسبانية عن العلاقات بين المغرب وإسبانيا وتأثير هذا الأخير على تطورها التاريخي خصوصا خلال القرن العشرين. فلن نتمكن من معرفة الدوافع التي تمنع الشعب الإسباني من التضامن مع جيرانه الجنوبيين إلا إذا حللنا هذه الصورة. والواقع أن تقديم المناهج الإسبانية لموضوع العلاقات التاريخية الإسبانية -المغربية مشوه ومليء بالتحريف والكذب.

وفي هذا الصدد، أشار مؤلفو كتاب “الإسلام في المدارس” إلى أن واضعي المناهج المدرسية الإسبانية قدموا قراءة متحيزة ومبتورة  للعلاقات المغربية-الإسبانية خلال القرن الماضي. وأكدوا على أن هذه المناهج متحيزة لدرجة أنها وحتى في الأحيان القليلة التي تعالج فيها موضوع هذه العلاقات لا تذكر على الإطلاق ضرب الجيش الإسباني سكان الريف بالغازات السامة. هذا بالإضافة إلى إغفال الفترة الممتدة من 1927 وهي سنة انتهاء ما يسمى “فترة التهدئة” إلى حصول المغرب على استقلاله. وهكذا تحاشى واضعو هذه المناهج الحديث عن سوء معاملة الجيش الإسباني للسكان العزل بالمناطق الواقعة تحت النفوذ الإسباني وعن سياسة الترهيب والتهديد العشوائية التي اتبعها للقضاء على مقاومة المغاربة للوجود العسكري الإسباني.

كما تغفل هذه المناهج إخبار التلاميذ الإسبان بأن جل المغاربة الذين شاركوا رغما عنهم في الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939 ضحوا بحياتهم في سبيل قضية لا علاقة لهم بها. والأسوأ أن بعض واضعي هذه المناهج تخلوا تماما عن آداب المهنة ولم يتورعوا عن اختلاق حوادث في تناقض صارخ مع واقع التاريخ، مما يعكس إصرار النخبة المثقفة الإسبانية على غرس الأكاذيب في ذهن شبابهم وإضفاء طابع غير أناني على الوجود الإسباني بالمغرب.

ويدعي هؤلاء في أحد الكتب المدرسية أن إسبانيا قررت إنهاء وجودها في المغرب بمحض إرادتها مجبرة بذلك فرنسا على الانسحاب هي الأخرى من المناطق التي كانت تحت حمايتها. وجاء في مقتطف من إحدى الكتب المدرسية: “لقد أبانت الحكومة الإسبانية عن احترامها للمغرب خلال الأوقات العصيبة من كفاح المغاربة في سبيل الاستقلال، ولهذا رفضت نفي الملك محمد الخامس (1953) من قبل فرنسا التي كانت باسطة حمايتها على باقي التراب المغربي. بل ثلاث سنوات بعد ذلك، منحت إسبانيا الاستقلال لمنطقتها مما أجبر فرنسا على التخلي عن حمايتها للمغرب.”

وبما أن الحديث عن تاريخ العلاقات الإسبانية-المغربية يتم بهذا الشكل المتحيز حيث يصور المغاربة دائما بأنهم السبب وراء أسوأ الأزمات التي طبعت الذاكرة الجماعية الإسبانية وليس كضحايا المخطط الاستعماري للسياسيين الإسبان، فلا عجب أن يستمر الرأي العام الإسباني في مناصبة المغاربة العداء بخصوص نزاع الصحراء و أن يلاقى أي موقف يتخذه المسؤولون الإسبان لصالح الاقتراح المغربي بالاستنكار.

فإطلاق مبادرة مصالحة بين المغاربة والإسبان وبناء علاقتهما على أساس الاحترام والتفاهم المتبادلين وعدم تدخلهما في شؤون بعضهما يتطلب إذن من الإعلام والمناهج الدراسية الإسبانية أن تتوقف عن إذكاء نار الحقد على المغرب في نفوس مواطنيها وعن حثهم على معاداة شعبه ومصالحه الاستراتيجية. وعليهم في المقابل التأكيد على الحقائق السالفة الذكر حتى يعرف الإسبان الجرائم التي ارتكبها مسؤولوهم ضد شعب أعزل ذنبه الوحيد أنه دافع عن أرضه وثقافته، والاعتراف بأن المغاربة عانوا حتى وقت قريب من همجية السياسيين الإسبان وقصر نظرهم.

وأخيرا وليس آخرا، فإن المبادرة المتعلقة بإنشاء تحالف الحضارات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسباني السابق رودريغز زاباثيرو (برعاية مشتركة من الوزير الأول التركي رجب أردوغان) عام 2004 هي بدون شك خطوة جديرة بالثناء في مد جسور التواصل بين الثقافتين الإسلامية والغربية. ولكن حتى لا يظل تحالف الحضارات هذا مجرد حبر على ورق، وحتى تكون مساعي الحكومة الإسبانية لتقريب مكونات الثقافتين صادقة، عليها أولا وقبل كل شيء تفعيل نقاش يهدف إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينظر بها مثقفوها ونظامها التعليمي وإعلامها إلى أقرب ممثلي الثقافة الإسلامية لهم جنوب المتوسط. أولم يتم التأكيد خلال المؤتمرات الأربعة التي عقدتها حتى الآن مجموعة أصدقاء تحالف الحضارات أن أهم خطوة في طريق بناء مستقبل أساسه التفاهم والاحترام المتبادلان بين الغربيين والمسلمين هي محاربة حبس الأخر في قوالب نمطية و تشويهِ سمعته. بيد أن الطريقة التي يصور بها الإعلام الإسباني المغرب لا تزال على تناقض صارخ مع هذا الهدف.

اكتب تعليق

اكتب تعليق

© 2011 - 2015, موروكو وورلد نيوز,جميع الحقوق محفوظة

الصعود لأعلى